هذه صفحة مخصصة لجمع النص الأصلي الكامل لفوائد الذكر (ابتداءً من الفائدة السادسة والأربعين وما بعدها) دون نقصان، مع الحفاظ على سياق النص كما هو.
(السادسة والأربعون) أن في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى، فينبغي للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى. وذكر حماد بن زيد عن المعلى أبن زياد أن رجلاً قال للحسن: يا أبا سعيد، أشكو إليك قسوة قلب. قال: أذبه بالذكر. وهذا لأن القلب كلما اشتدت به الغفلة، اشتدت به القسوة، فإذا ذكر الله تعالى ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في النار. فما أذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله عز وجل. (السابعة والأربعون) أن الذكر شفاء القلب ودواؤه، والغفلة مرضه، فالقلوب مريضة وشفاؤها دواؤها في ذكر الله تعالى. قال مكحول: ذكر الله تعالى شفاء، وذكر الناس داء. وذكر البيهقي عن مكحول مرفوعاً ومرسلاً ذكرته شفاها وعافاها، فإذا غفلت عنه انتكست، كما قيل: إذا مرضنا تداوينا بذكركم فتترك الذكر أحياناً فننتكس (الثامنة والأربعون) أن الذكر أصل موالاة الله عز وجل ورأسها، والغفلة أصل معاداته ورأسها، فإن العبد لا يزال يذكر ربه عز وجل حتى يحبه فيواليه، ولا يزال يغفل عنه حتى يبغضه فيعاديه. قال الاوزاعي: قال حسان ابن عطية: ما عادى عبد ربه بشئ أشد عليه من أن يكره ذكره أو من يذكره. فهذه المعاداة سببها الغفلة ولا تزال بالعبد حتى يكره ذكر الله ويكره من ذكره، فحينئذ يتخذه عدواً كما اتخذه الذاكر ولياً. (التاسعة والأربعون) أنه ما استجلبت نعم الله عز وجل واستدفعت نقمة بمثل ذكر الله تعالى. فالذكر جلاب للنعم، دافع للنقم. قال سبحانه وتعالى {إن الله يدافع عن الذين آمنوا} وفي القراءة الأخرى {إن الله يدافع} فدفعه ودفاعه عنهم بحسب قوة إيمانهم وكماله. ومادة الإيمان وقوته بذكر الله تعالى، فمن كان أكمل إيماناً وأكثر ذكراً كان دفع الله تعالى عنه ودفاعه أعظم، ومن نقص نقص، ذكراً بذكر ونسياناً بنسيان. وقال سبحانه وتعالى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم} ، والذكر رأس الشكر كما تقدم، والشكر جلاب النعم وموجب للمزيد. قال بعض السلف رحمة الله عليهم: ما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن ذكرك. (الخمسون) أن الذكر يوجب صلاة الله عز وجل وملائكته على الذاكر، ومن صلى الله تعالى عليه وملائكته فقد أفلح كل الفلاح وفاز كل الفوز، قال سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا * هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما} فهذه الصلاة منه تبارك وتعالى ومن ملائكته إنما هي سبب الإخراج لهم من الظلمات إلى النور. فأي خير لم يحصل لهم، وأي شر لم يندفع عنهم؟ فيا حسرة الغافلين عن ربهم ماذا حرموا من خيره وفضله. وبالله التوفيق. (الحادية والخمسون) إن من شاء أن يسكن رياض الجنة في الدنيا وغيره من حديث جابر بن عبد الله قال: «خرج علينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال يا أيها الناس، ارتعوا في رياض الجنة قلنا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال مجالس الذكر ثم قال اغدوا وروحوا وأذكروا، فمن كان يحب أن يعلم منزلته عند الله تعالى فلينظر كيف منزلة الله تعالى عنده، فإن الله تعالى ينزل العمل منه حيث أنزله من نفسه» . (الثانية والخمسون) إن مجالس الذكر مجالس ملائكة، فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يذكر الله تعالى فيه، كما أخرجا في الصحيحين من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن لله ملائكة فضلاً عن كتاب الناس، يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تعالى تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا: فيسألهم ربهم تعالى ــ وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك. قال فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تحميداً وتمجيداً وأكثر لك تسبيحاً. قال: فيقول: ما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولن: لا والله يا رب، ما رأوها. قال فيقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً وأعظم فيها رغبة. فيقول: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب، ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد لها مخافة. قال: يقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم. فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، وإنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» فهذا من بركتهم على نفوسهم وعلى جليسهم، فلهم نصيب من قوله {وجعلني مباركا أين ما كنت} فهكذا المؤمن مبارك أين حل، والفاجر مشؤوم أين حل. فمجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس الغفلة مجالس الشياطين، وكل مضاف إلى شكله وأشباهه، امرئ يصير إلى ما يناسبه. (الثالثة والخمسون) إن الله عز وجل يباهي بالذاكرين ملائكته، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله تعالى. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقل عنه حديثاً مني، «وإن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن علينا بك. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله تبارك وتعالى يباهي بكم الملائكة» ، فهذه المباهاة من الرب تبارك وتعالى دليل على شرف الذكر عنده ومحبته له وأن له مزية على غيره من الأعمال. (الرابعة والخمسون) إن مدمن الذكر يدخل الجنة وهو يضحك، لما ذكر ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي عن أبيه عن أبي الدرداء قال: الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله عز وجل يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك. (الخامسة والخمسون) إن جميع الأعمال إنما شرعت إقامة لذكر الله تعالى، والمقصود بها تحصيل ذكر الله تعالى، قال سبحانه وتعالى: {وأقم الصلاة لذكري} . قيل المصدر مضاف إلى الفاعل أي لأذكرك بها، وقيل مضاف إلى المذكور أي لتذكروني بها. واللام على هذا لام التعليل. وقيل: هي اللام الوقتية أي أقم الصلاة عند ذكري كقوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} وقوله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} وهذا المعنى المراد بالآية لكن تفسيرها به يجعل معناها فيه نظر، لأن هذه اللام الوقتية يليها أسماء الزمان والظروف، والذكر مصدر إلا أن يقدر زمان محذوف أي عند وقت ذكري. وهذا محتمل. والأظهر أنها لام التعليل أي أقم الصلاة لأجل ذكري. ويلزم من هذا أن تكون إقامتها عند ذكره، وإذا ذكر العبد ربه فذكر الله تعالى سابق على ذكره، فإنه لما ذكره ألهمه ذكره، فالمعاني الثلاثة حق. وقال سبحانه وتعالى: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} فقيل: المعنى أنكم في الصلاة تذكرون الله وهو من ذكره، ولذكره الله تعالى إياكم أكبر من ذكركم إياه، وهذا يروى عن ابن عباس وسلمان وأبي الدرداء وابن مسعود رضي الله عنهم، وذكر ابن أبي الدنيا عن فضيل ابن مرزوق عن عطية {ولذكر الله أكبر} قال: وهو قوله تعالى: {فاذكروني أذكركم} فذكر الله تعالى لكم أكبر من ذكركم إياه. وقال ابن زيد وقتادة: معناه: ولذكر الله أكبر من كل شيء. وقيل لسلمان: أي الأعمال أفضل؟ أما تقرأ القرآن {ولذكر الله أكبر} ويشهد لهذا حديث أبي الدرداء المتقدم «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الورق والذهب وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال اذكروا الله» الحديث. وكان شيخ الإسلام أبو العباس قدس الله روحه يقول: الصحيح أن معنى الآية أن الصلاة فيها مقصودان عظيمان، وأحدهما أعظم من الآخر: فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي مشتملة على ذكر الله تعالى، ولما فيها من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر. وذكر ابن أبي الدنيا عن ابن عباس أنه سئل: أي العمل أفضل؟ قال: ذكر الله أكبر. وفي السنن عن عائشة عن النبي صلى اله عليه وسلم قال: «إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى» رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. (السادسة والخمسون) أن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكراً لله عز وجل، فأفضل الصوام أكثرهم ذكراً لله عز وجل في صومهم، وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكراً لله عز وجل، وأفضل الحاج أكثرهم ذكراً لله عز وجل. وهكذا سائر الأحوال. وقد ذكر ابن أبي الدنيا حديثاً مرسلاً في ذلك «أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل: أي أهل المسجد خير؟ قال: أكثرهم ذكراً لله عز وجل قيل: أي الجنازة خير؟ قال: أكثرهم ذكراً لله عز وجل قيل: فأي المجاهدين خير؟ قال: أكثرهم ذكراً لله عز وجل قيل فأي الحجاج خير؟ قال: أكثرهم ذكراً لله عز وجل قيل: وأي العباد خير؟ قال: أكثرهم ذكراً لله عز وجل» قال أبو بكر: ذهب الذاكرون بالخير كله. وقال عبيد بن عمير: إن أعظمكم هذا الليل أن تكابدوه، وبخلتم على المال أن تنفقوه، وجبنتم عن العدو أن تقاتلوه: فأكثروا من ذكر الله عز وجل. (السابعة والخمسون) أن إدامته تنوب عن التطوعات وتقوم مقامها سواء كانت بدنية، أو مالية كحج التطوع، وقد جاء ذلك صريحاً في حديث أبي هريرة: «أن فقراء المهجرين أتوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم والمقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموالهم يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون. فقال: ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا أحد يكون أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة الحديث متفق عليه. فجعل الذكر عوضاً لهم عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد، وأخبر أنهم يسبقونهم بهذا الذكر، فلما سمع أهل الدثور بذلك عملوا به، فازدادوا ــ إلى صدقاتهم وعبادتهم بمالهم ــ التعبد بهذا الذكر، فحازوا الفضيلتين، فنفسهم الفقراء، وأخبروا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنهم قد شاركوهم في ذلك وانفردوا لهم بما لا قدرة لهم عليه، فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» . وفي حديث عبد الله بن بسر قال: «جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، كثرت علي خلال الإسلام وشرائعه، فأخبرني بأمر جامع يكفيني. قال: عليك بذكر الله تعالى قال: ويكفيني يا رسول الله؟ قال: نعم، ويفضل عنك» . وفي حديث عبد الله بن بسر قال: «جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، كثرت علي خلال الإسلام وشرائعه، فأخبرني بأمر جامع يكفيني. قال: عليك بذكر الله تعالى قال: ويكفيني يا رسول الله؟ قال: نعم، ويفضل عنك» فدله الناصح صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على شيء يبعثه على شرائع الإسلام والحرص عليها والاستكثار منها، فإنه إذا اتخذ ذكر الله شعاره أحبه وأحب ما يحب، فلا شيء أحب من التقرب بشرائع الإسلام، فدله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ما يتمكن به من شرائع الإسلام وتسهل به عليه وهو ذكر الله عز وجل ... يوضحه: (الثامنة والخمسون) أن ذكر الله عز وجل من أكبر العون على طاعته، فإنه يحببها إلى العبد ويسهلها عليه ويلذذها له ويجعل قرة عينه فيها، ونعيمه وسروره بها بحيث لا يجد لها من الكلفة والمشقة والثقل ما يجد الغافل، والتجربة شاهدة بذلك، يوضحه: (التاسعة والخمسون) أن ذكر الله عز وجل يسهل الصعب، وييسر العسير ويخفف المشاق، فما ذكر الله عز وجل على صعب إلا هان، ولا على عسير إلا تيسر، ولا مشقة إلا خفت، ولا شدة إلا زالت، ولا كربة إلا انفرجت، فذكر الله تعالى هو الفرج بعد الشدة، واليسر بعد العسر، والفرج بعد الغم والهم، يوضحه. (الستون) أن ذكر الله عز وجل يذهب عن القلب مخاوفه كلها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن، فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله عز وجل، إذ بحسب ذكره يجد الأمن ويزول خوفه، حتى كأن المخاوف التي يجدها أمان له، والغافل خائف مع أمنه حتى كأن ما هو فيه من الأمن كله مخاوف، ومن له أدنى حس قد جرب هذا وهذا. والله المستعان. (الحادية والستون) أن الذكر يعطي الذاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه، وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابه أمراً عجيباً، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعه وأكثر، وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمراً عظيماً، وقد علم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابنته فاطمة وعلياً رضي الله عنهما أن يسبحا كل ليلة إذا أخذوا مضاجعهما ثلاثاً وثلاثين ويحمدا ثلاثاً وثلاثين ويكبرا أربعاً وثلاثين لما سألته الخادم وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي والخدمة، فعلمها ذلك وقال: إنه خير لكما من خادم فقيل أن من داوم على ذلك وجد قوة في يومه مغنيه عن خادم. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يذكر أثراً في هذا الباب ويقول: إن الملائكة لما أمروا بحمل العرش قالوا: يا ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك؟ فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قالوا حملوه. حتى رأيت ابن أبي الدنيا قد ذكر هذا الأثر بعينه عن الليث بن سعد عن معاوية بن صالح قال: حدثنا مشيختنا أنه بلغهم أن أول ما خلق الله عز وجل ـ حين كان عرشه على الماء ـ حملة العرش، قالوا: ربنا لم خلقتنا؟ قال: خلقتكم لحمل عرشي. قالوا: ربنا ومن يقوى على حمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك ووقارك؟ قال: لذلك خلقتكم. فأعادوا عليه ذلك مراراً فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فحملوه. وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معالجة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق، والدخول على الملوك، ومن يخاف، وركوب الأهوال. ولها أيضاً تأثير في دفع الفقر، كما روى ابن أبي الدنيا عن الليث بن معاوية بن صالح عن أسد بن وداعة رضي الله تعالى عنه قال: «قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قال لا حول ولا قوة إلا بالله مائة مرة في كل يوم لم يصبه فقر أبداً» وكان حبيب بن سلمة يستحب إذا لقي عدواً أو ناهض حصناً قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنه ناهض يوماً حصناً للروم فانهزم، فقالها المسلمون وكبروا فانهدم الحصن. (الثانية والستون) أن عمال الآخرة كلهم في مضمار السباق، والذاكرون هم أسبقهم في ذلك المضمار، ولكن القترة والغبار يمنع من رؤية سبقهم، فإذا انجلى الغبار وانكشف رآهم الناس وقد حازوا قصب السبق. قال الوليد بن مسلم قال محمد بن عجلان: سمعت عمرو مولى غفرة يقول: إذا انكشف الغطاء [للناس] يوم القيامة عن ثواب أعمالهم لم يروا عملاً أفضل ثواباً من الذكر، فيتحسر عند ذلك أقوام فيقولون: ما كان شيء أيسر علينا من الذكر. وقال أبو هريرة: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سيروا، سبق المفردون قال: الذين أهتروا في ذكر الله تعالى يضع عنهم أوزارهم أهتروا بالشيء وفيه أولعوا به ولزموه وجعلوه دأبهم. وفي بعض ألفاظ الحديث المستهترون بذكر الله ومعناه الذين أولعوا به، يقال: استهتر فلان بكذا إذا ولع به. وفيه تفسير آخر أن أهتروا في ذكر الله أي كبروا وهلك أقرانهم وهم في ذكر الله تعالى، يقال أهتر الرجل فهو مهتر إذا سقط في كلامه من الكبر، والهتر السقط من الكلام، كأنه بقي في ذكر الله تعالى حتى خرف وأنكر عقله، والهتر الباطل أيضاً، ورجل مستهتر إذا كان كثير الأباطيل، وفي حديث ابن عمر: أعوذ بالله أن أكون من المستهترين، وحقيقة اللفظ أن الاستهتار الإكثار من الشيء والولوع به حقاً كان أو باطلاً، وغلب استعماله على المبطل حتى إذا قيل فلان مستهتر لا يفهم منه إلا الباطل، وإنما إذا قيد بشيء تقيد به نحو مستهتر وقد أهتر في ذكر الله تعالى أي أولع به وأغري به، ويقال: استهتر فيه وبه. وتفسير هذا في الأثر الآخر: «أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقال مجنون» . (الثالثة والستون) أن الذكر سبب لتصديق الرب عز وجل عبده، فإنه أخبر عن الله تعالى بأوصاف كماله ونعوت جلاله، فإذا أخبر بها العبد صدقه ربه، ومن صدقه الله تعالى لم يحشر مع الكاذبين، ورجي له أن يحشر مع الصادقين. وروى أبو إسحاق عن الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر، قال: يقول الله تبارك وتعالى: صدق عبدي، لا إله إلا أنا وأكبر. وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلا الله لا شريك له، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي» قال أبو إسحق: ثم قال: [في] الآخر شيئاً لم أفهمه، قلت لأبي جعفر: ما قال؟ قال: «من رزقهن عند موته لم تمسه النار» . (الرابعة والستون) أن دور الجنة تبنى بالذكر، فإذا أمسك الذاكر عن الذكر أمسكت الملائكة عن البناء. ذكر ابن أبي الدنيا في كتابه عن حكيم بن محمد الأخنسي قال: بلغني أن دور الجنة تبنى بالذكر، فإذا أمسك عن الذكر أمسكوا عن البناء، فيقال لهم: فيقولون: حتى تأتينا نفقة. وذكر ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من قال: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم - سبع مرات - بني له برج في الجنة» وكما أن بناءها بالذكر فغراس بساتينها بالذكر كما تقدم في حديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن إبراهيم الخليل عليه السلام «أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وإنها قيعان، وإن غرسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فالذكر غراسها وبناؤها» ، وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أكثروا من غراس الجنة قالوا: يا رسول الله، وما غراسها؟ قال: ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله» . (الخامسة والستون) إن الذكر سد بين العبد وبين جهنم، فإذا كانت له إلى جهنم طريق من عمل من الأعمال كان الذكر سداً في تلك الطريق، فإذا كان ذكراً دائماً كاملاً كان سداً محكماً لا منفذ فيه، وإلا فبحسبه. قال عبد العزيز بن أبي رواد: كان رجل بالبادية قد اتخذ مسجداً فجعل في قلبه سبعة أحجار، كان إذا قضى صلاته قال: يا أحجار أشهدكم أنه لا إله إلا الله. قال: فمرض الرجل، فعرج بروحه، قال: فرأيت في منامي أنه أمر بي إلى النار، قال: فرأيت حجراً من تلك الأحجار أعرفه قد عظم فسد عني باباً من أبواب جهنم، ثم أتى ‘لى الباب الآخر وإذا حجر من تلك الحجار أعرفه قد عظم فسد عني باباً من أبواب جهنم، حتى سدت عني بقية الأحجار أبواب جهنم. (السادسة والستون) إن الملائكة تستغفر للذاكر كما تستغفر للتائب، كما روى حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن عامر الشعبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أجد في كتاب الله المنزل أن العبد إذا قال: الحمد لله قالت الملائكة رب العالمين وإذا قال: الحمد لله رب العالمين قالت الملائكة: اللهم اغفر لعبدك، وإذا قال: سبحان الله قالت الملائكة: اللهم اغفر لعبدك، وإذا قال: لا إله إلا الله قالت الملائكة: اللهم اغفر لعبدك. (السابعة والستون) إن الجبال والقفار تتباهى وتستبشر بمن يذكر الله عز وجل عليها. قال ابن مسعود: إن الجبل لينادي الجبل باسمه: أمر بك اليوم أحد يذكر الله عز وجل؟ فإذا قال: نعم، استبشر. وقال عون بن عبد الله: إن البقاع لينادي بعضها بعضاً: يا جارتاه أمر بك اليوم أحد يذكر الله؟ فقائلة: نعم، وقائلة: لا، فقال الأعمش عن مجاهد: إن الجبل لينادي الجبل باسمه: يا فلان، هل مر بك اليوم ذاكر لله عز وجل؟ فمن قائل: لا، ومن قائل: نعم. (الثامنة والستون) إن كثرة ذكر الله عز وجل أمان من النفاق، فإن المنافقين قليلو الذكر لله عز وجل، قال الله عز وجل في المنافقين: {ولا يذكرون الله إلا قليلاً} وقال كعب: من أكثر ذكر الله عز وجل برئ من النفاق ولهذا - والله أعلم - ختم الله تعالى سورة المنافقين بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} . فإن في ذلك تحذيراً من فتنة المنافقين الذين غفلوا عن ذكر الله عز وجل فوقعوا في النفاق. وسئل بعض الصحابة رضي الله عنهم عن الخوارج: منافقون هم؟ قال: لا، المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً. فهذا من علامة النفاق قلة ذكر الله عز وجل، وكثرة ذكره أمان من النفاق، والله عز وجل أكرم من أن يبتلي قلباً ذاكراً بالنفاق، وإنما ذلك لقلوب غفلت عن ذكر الله عز وجل. (التاسعة والستون) إن للذكر من بين الأعمال لذة لا يشبهها شيء، فلو لم يكن للعبد من ثوابه إلا اللذة الحاصلة للذاكر والنعيم الذي يحصل لقلبه لكفى به، ولهذا سميت مجالس الذكر رياض الجنة، قال مالك بن دينار: وما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل، فليس شيء من الأعمال أخف مؤنة منه ولا أعظم لذة ولا أكثر فرحة وابتهاجاً للقلب. (السبعون) إنه يكسو الوجه نضرة في الدنيا ونوراً في الآخرة، فالذاكرون أنضر الناس وجوهاً في الدنيا وأنورهم في الآخرة، ومن المراسيل عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من قال كل يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، أتى الله تعالى يوم القيامة ووجهه أشد بياضاً من القمر ليلة البدر» (الحادية والسبعون) إن في دوام الذكر في الطريق والبيت والحضر والسفر والبقاع تكثيراً لشهود العبد يوم القيامة، فإن البقعة والدار والجبل والأرض تشهد للذاكر يوم القيامة، قال تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها} فروى الترمذي في جامعه من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: «قرأ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الآية: {يومئذ تحدث أخبارها} فقال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا كذا وكذا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. والذاكر لله عز وجل في سائر البقاع مكثر شهوده، ولعلهم أو أكثرهم أن يقبلوه يوم القيامة، يوم قيام الأشهاد وأداء الشهادات فيفرح ويغتبط بشهادتهم. (الثانية والسبعون) إن في الاشتغال بالذكر اشتغالاً عن الكلام الباطل من الغيبة واللغو ومدح الناس وذمهم وغير ذلك، فإن الإنسان لا يسكت البتة: فإما لسان ذاكر، وإما لسان لاغ، ولا بد من أحدهما، فهي النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وهو القلب إن لم تسكنه محبة الله عز وجل سكنه محبة المخلوقين ولا بد، وهو اللسان إن لم تشغله بالذكر شغلك باللغو وما هو عليك ولا بد، فاختر لنفسك إحدى الخطتين، وأنزلهها في إحدى المنزلتين. (الثالثة والسبعون) وهي التي بدأنا بذكرها وأشرنا إليها فنذكرها ههنا مبسوطة لعظيم الفائدة بها، وحاجة كل أحد بل ضرورته إليها، وهي أن الشياطين قد احتوشت العبد وهم أعداؤه فما ظنك برجل قد احتوشه أعداؤه المحنقون عليه غيظاً وأحاطوا به، وكل منهم يناله بما يقدر عليه من الشر والأذى، ولا سبيل إلى تفريق جمعهم عنه إلا بذكر الله عز وجل. وفي هذا الحديث العظيم الشريف القدر الذي ينبغي لكل مسلم أن يحفظه، فنذكره بطوله لعموم فائدته وحاجة الخلق إليه، وهو حديث سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة بن جندب قال: خرج علينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوماً وكنا في صفه بالمدينة، فقام علينا فقال: «إني رأيت البارحة عجباً: رأيت رجلاً من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه بره والديه فرد ملك الموت عنه، ورأيت رجلاً من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله عز وجل فطرد الشيطان عنه، ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلاً من أمتي يلهب ــ وفي رواية يلهث ــ عطشاً، كلما دنا من حوض منع وطرد، فجاءه صيام شهر رمضان فأسقاه وأرواه ورأيت رجلاً من أمتي ورأيت النبيين جلوساً حلقاً حلقاً كلما دنا إلى حلقة طرد، فجاءه غسله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلاً من أمتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها، فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور. ورأيت رجلاً من أمتي يتقي بيده وهج النار وشرره، فجاءته صدقته فصارت سترة بينه وبين النار وظللت على رأسه. ورأيت رجلاً من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت: يا معشر المسلمين، إنه كان وصولاً لرحمه فكلموه، فكلمه المؤمنون وصافحوه وصافحهم. ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الزبانية، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة. ورأيت رجلاً من أمتي جاثياً على ركبتيه وبينه وبين الله عز وجل حجاب، فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله عز وجل، ورأيت رجلاً من أمتي قد ذهبت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله عز وجل فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه. ورأيت رجلاً من أمتي خف ميزانه فجاءه أفراطه. ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على شفير جهنم فجاءه رجاؤه في الله عز وجل فاستنقذه من ذلك ومضى. ورأيت رجلاً من أمتي قد أهوى في النار، فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله فاستنقذته من ذلك. ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف، فجاءه حسن ظنه بالله عز وجل فسكن رعدته ومضى، ورأيت رجلاً من أمتي يزحف على الصراط ويحبو أحياناً، فجاءته صلاته علي فأقامته على قدميه وأنقذته. ورأيت رجلاً من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة» . رواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب الترغيب في الخصال المنجية، والترهيب من الخلال المردية وبنى كتابه عليه وجعله شرحاً له، وقال: هذا حديث حسن جداً رواه عن سعيد بن المسيب عمرو بن آزر وعلي بن زيد بن جدعان وهلال أبو جبلة. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يعظم شأن هذا الحديث، وبلغني عنه أنه كان يقول: شواهد الصحة عليه، والمقصود منه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ورأيت رجلاً من أمتي احتوشته الشياطين، ذكر الله عز وجل فطرد الشيطان عنه» فهذا مطابق لحديث الحارث الأشعري الذي شرحناه في هذه الرسالة وقوله فيه: «وأمركم بذكر الله عز وجل وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو فانطلقوا في طلبه سراعاً وانطلق حتى أتى حصناً حصيناً فأحرز نفسه فيه» فكذلك الشيطان لا يحرز العباد أنفسهم منه إلا بذكر الله عز وجل. وفي الترمذي عن أنس بن مالك: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من قال ـ يعني إذا خرج من بيته ـ بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله. يقال له: كفيت وهديت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان، فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي» ؟ رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن. وقد تقدم قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «من قال في يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كانت له حرزاً من الشيطان حتى يمسي» وذكر سفيان عن أبي الزبير عن عبد الله بن ضمرة عن كعب قال: إذا خرج الرجل من بيته فقال بسم الله قال هديت، وإذا قال توكلت على الله قال الملك كفيت، وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله قال الملك حفظت. فيقول الشياطين بعضهم لبعض: ارجعوا ليس لكم عليه سبيل، كبف لكم بمن كفي وهدي وحفظ؟ وقال أبو خلاد المصري: من دخل في الإسلام دخل في حصن، ومن دخل المسجد فقد دخل في حصنين، ومن جلس في حلقة يذكر الله عز وجل فيها فقد دخل في بيته حصوناً، وقد روى الحافظ أبو موسى في كتابه من حديث أبي عمران الجوني عن أنس عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا وضع العبد جنبه على فراشه فقال: بسم الله وقرأ فاتحة الكتاب أمن من شر الجن والإنس ومن كل شيء» . وفي صحيح البخاري عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: ولاني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زكاة رمضان أن أحتفظ بها، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، فقال: دعني فأني لا أعود، فذكر الحديث وقال: فقال له في الثالثة: أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها إلى آخرها فإنه لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخلى سبيله، فأصبح فأخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله فقال: «صدقك وهو كذوب» وذكر الحافظ أبو موسى من حديث أبي الزبير عن جابر قال: «قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا أوى الإنسان إلى فراشه ابتدره ملك وشيطان فيقول الملك اختم بخير، ويقول الشيطان وبات يكلؤه، فإذا استيقظ ابتدره ملك وشيطان، فيقول الملك: افتح بخير، ويقول الشيطان: افتح بشر، فإن قال: الحمد لله الذي أحيا نفسي بعد موتها ولم يمتها في منامها، الحمد لله الذي يمسك عليها الأخرى إلى أجل مسمى، الحمد لله الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، طرد الملك الشيطان وظل يكلؤه» . وفي الصحيحين من حديث سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أما إن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فيولد بينهما ولد، لا يضره الشيطان أبداً» وذكر الحافظ أبو موسى عن الحسن بن علي قال: أنا ضامن لمن قرأ هذه العشرين الآية أن يعصمه الله تعالى من كل شيطان ظالم، ومن كل شيطان مريد، ومن كل سبع ضار، ومن كل لص عاد: آية الكرسي وثلاث آيات من الأعراف {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض} وعشراً من الصافات وثلاث آيات من الرحمن {يا معشر الجن والإنس} وخاتمة سورة الحشر {لو أنزلنا هذا} ، وقال محمد بن أبان: بينما رجل يصلي في المسجد إذا هو بشيء إلى جنبه فجفل منه فقال: ليس عليك مني بأس إنما جئتك في الله تعالى، ائت عروة فسله: ما الذي يتعوذه؟ يعني من إبليس الأباليس. قال: قل آمنت بالله العظيم وحده، وكفرت بالجبت والطاغوت، واعتصمت بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم. حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله منتهى. وقال بشر بن منصور عن وهيب ابن الورد قال: خرج رجل إلى الجبانة بعد ساعة من الليل، قال: فسمعت حساً ـ أو صوتاً ـ شديداً، وجيء بسرير حتى وضع، وجاء شيء حتى جلس عليه. قال: واجتمعت إليه جنوده، ثم صرخ فقال: من لي بعروة بن الزبير؟ فلم يجبه أحد حتى تتابع ما شاء الله من الأصوات، فقال واحد: انا أكفيكه، قال: فتوجه نحو المدينة وأنا ناظر، ثم أوشك الرجعة فقال: لا سبيل إلى عروة، وقال: ويلكم وجدته يقول كلمات إذا أصبح وإذا أمسى فلا نخلص إليه معهن. قال الرجل: فلما أصبحت قلت لأهلي جهزوني، فأتيت المدينة فسألت عنه حتى دللت عليه، فإذا بشيخ كبير، فقلت: شيئاً تقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت؟ فأبى أن يخبرني، فأخبرته بما رأيت وما سمعت، فقال: ما أدري، غير أني أقول إذا أصبحت: آمنت بالله العظيم وكفرت بالجبت والطاغوت واستمسكت بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والله سميع عليم. وإذا أصبحت قلت ثلاث مرات، وإذا أمسيت قلت ثلاث مرات. وذكر أبو موسى عن مسلم البطين قال: قال جبريل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن عفريتاً من الجن يكيدك، فإذا أويت إلى فراشك فقل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ من الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن. وقد ثبت في الصحيح أن الشيطان يهرب من الأذان، قال سهل بن أبي صالح: أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلام ـ أو صاحب ـ لنا فنادى مناد من حائط باسمه، فأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئاً، فذكرت ذلك لأبي فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتاً فناد بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولى وله حصاص» وفي رواية «إذا سمع النداء ولى وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين» الحديث. وذكر الحافظ أبو موسى من حديث أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «استكثروا من لا إله إلا الله والاستغفار، فإن الشيطان قال: قد أهلكتهم بالذنوب وأهلكوني بقول لا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك منهم أهلكتهم بالأهواء حتى يحسبون مهتدون فلا يستغفرون» وذكر أيضاً عن إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: بينا رجل مسافر إذ مر برجل نائم ورأى عنده شياطين، فسمع المسافر أحد الشياطين يقول لصاحبه: اذهب فأفسد على هذا النائم قلبه، فلما دنا منه رجع إلى صاحبه فقال: لقد نام على آية ما لنا إليه سبيل، فذهب إلى النائم فلما دنا منه رجع قال: صدقت. فذهب. ثم إن المسافر أيقظه وأخبره بما رأى من الشياطين فقال: أخبرني على أي آية نمت، قال: على هذه الآية {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} . وقال أبو النضر هاشم بن القاسم: كنت أرى في داري ... فقيل: يا أبا النضر تحول عن جوارنا. قال: فاشتد ذلك علي، فكتبت إلى الكوفة إلى ابن إدريس والمحاربي وأبي أسامة، فكتب إلي المحاربي: إن بئراً بالمدينة كان يقطع رشاؤها، فنزل بهم ركب، فشكوا ذلك إليهم، فدعوا بدلو من ماء ثم تكلموا بهذا الكلام فصبوه في البئر فخرجت نار من البئر فطفئت على رأس البئر. قال أبو النضر: فأخذت توراً من ماء، ثم تكلمت فيه بهذا الكلام، ثم تتبعت به زوايا الدار فرششته، فصاحوا بي: أحرقتنا، نحن نتحول عنك وهو: بسم الله، أمسينا بالله الذي ليس منه شيء ممتنع، وبعزة الله التي لا ترام ولا تضام، وبسلطان الله المنيع نحتجب، وبأسمائه الحسنى كلها عائذ من الأبالسة، ومن شر شياطين الإنس والجن، ومن شر معلن أو مسر، ومن شر ما يخرج بالليل ويكمن بالنهار، ويكمن بالليل ويخرج بالنهار، ومن شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر إبليس وجنوده، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم. أعوذ بالله بما استعاذ به موسى وعيسى وإبراهيم الذي وفى، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر إبليس وجنوده، ومن شر ما يبغي. أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم {والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا * إن إلهكم لواحد * رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق * إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب * وحفظا من كل شيطان مارد * لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب * دحورا ولهم عذاب واصب * إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب} فهذا بعض ما يتعلق بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لذلك العبد «يحرز نفسه من الشيطان بذكر الله تعالى» .