✨ الذكر: منبع الحياة الروحية

الذكر هو الدواء الشافي للقلوب، والمشعل الذي ينير الطريق. في هذا الفصل نستعرض فوائده العظيمة وتأثيره المحوّل على حياة الإنسان.

💡 أنواع القلوب: مقارنة بصرية

🪨
القلب الحجري
قاس، بلا رحمة ولا إحسان، معطوب
←→
💎
القلب المؤمن
نور متألق، حي، مستنير بنور الإيمان
←→
💧
القلب المائع
ضعيف، بلا قوة، يتأثر بكل محيطه

🌱 مثل الهدى والعلم كمثل الغيث

🌾

الأرض الطيبة

تقبل الماء فتنبت الكلأ والعشب الكثير - تزكو في نفسها وتزكي الناس بها

الحكم: أسعد الخلق بالهدى والعلم ✓

💧

الأرض المتوسطة

تمسك الماء فيسقي الناس ويزرعون - معتدلة في نفعها

الحكم: نافعة لنفسها وغيرها

🏜️

الأرض القيعان

لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ - عقيمة بلا فائدة

الحكم: أشقى الخلق، بلا فهم ولا عمل

فوائد الذكر (٣٧–٤٥): تحويل بصري

بطاقات مطوية للفوائد (٣٧–٤٥): اضغط على أي بطاقة لعرض النص الكامل داخلها، مع بقاء النص الأصلي الكامل في سياقه داخل المقطع القابل للطي أدناه.

٣٧

الذكر رأس الأصول

باب الدخول على الله عز وجل: إن وجد ربه وجد كل شيء.

اضغط لعرض النص الكامل

(السابعة والثلاثون) أن الذكر رأس الأصول، وطريق عامة الطائفة ومنشور الولاية: فمن فتح له فيه فقد فتح له باب الدخول على الله عز وجل، فليتطهر وليدخل على ربه عز وجل يجد عنده كل ما يريد، فإن وجد ربه عز وجل وجد كل شئ، وإن فاته ربه عز وجل فاته كل شئ.

٣٨

سدّ الخلة والفاقه

غنى بلا مال، وعزّ بلا عشيرة.

اضغط لعرض النص الكامل

(الثامنة والثلاثون) في القلب خلة وفاقه لا يسدها شئ البته إلا ذكر الله عز وجل فإذا صار شعار القلب بحيث يكون هو الذاكر بطريق الأصالة واللسان تبع له فهذا هو الذكر الذي يسد الخلة ويفني الفاقه، فيكون صاحبه غنياً بلا مال، عزيزاً بلا عشيرة، مهيباً بلا سلطان. فإذا كان غافلاً عن ذكر الله عز وجل فهو بضد ذلك فقير مع كثرة جدته، ذليل مع سلطانه، حقير مع كثرة عشيرته.

٣٩

يجمع المتفرق ويبدد الهموم

دوام الذكر يجمع القلب ويفرق أحزان الذنوب.

اضغط لعرض النص الكامل

(التاسعة والثلاثون) أن الذكر يجمع المتفرق ويفرق المجتمع، ويقرب البعيد ويبعد القريب، فيجمع ما تفرق على العبد من قلبه وإرادته وهمومه وعزومه، والعذاب كل العذاب في تفرقتها وتشتتها عليه وانفراطها له، والحياة والنعيم في اجتماع قلبه وهمه وعزمه وإرادته. ويفرق ما اجتمع عليه من الهموم والغموم والأحزان والحسرات على فوت حظوظه ومطالبه. ويفرق أيضاً ما اجتمع عليه من ذنوبه وخطاياه وأوزاره حتى تتساقط عنه وتتلاشى وتضمحل. ويفرق أيضاً ما اجتمع على حربه من جند الشيطان، فإن إبليس لا يزال يبعث له سرية، وكلما كان أقوى طلباً لله سبحانه وتعالى وأمثل تعلقاً به وإرادة له كانت السرية أكثف وأكثر وأعظم شوكة، بحسب ما عند العبد من مواد الخير والإرادة، ولا سبيل إلى تفريق هذا الجمع إلا بدوام الذكر. وأما تقريبه البعيد فإنه يقرب إليه الآخرة التي يبعدها منه الشيطان والأمل، فلا يزال يلهج بالذكر حتى كأنه قد دخلها وحضرها، فحينئذ تصغر في عينه الدنيا وتعظم في قلبه الآخرة، ويبعد القريب إليه وهي الدنيا التي هي أدنى إليه من الآخرة، فإن الآخرة متى قربت من قلبه بعدت منه الدنيا، كلما قربت منه هذه مرحلة بعدت منه هذه مرحلة، ولا سبيل إلى هذا إلا بدوام الذكر.

٤٠

إيقاظ القلب

الغفلة نومٌ ثقيل، والذكر يقظة.

اضغط لعرض النص الكامل

(الأربعون) أن الذكر ينبه القلب من نومه، ويوقظه من سنته. والقلب إذا كان نائماً فاتته الأرباح والمتاجر وكان الغالب عليه الخسران، فإذا استيقظ وعلم ما فاته في نومته شد المئزر وأحيا بقية عمره واستدرك ما فاته، ولا تحصل يقظته إلا بالذكر، فإن الغفلة نوم ثقيل.

٤١

ثمرات المعارف والأحوال

شجرة الذكر: أصل المقامات من اليقظة إلى التوحيد.

اضغط لعرض النص الكامل

(الحادية والأربعون) أن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمر إليها السالكون، فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر، وكلما عظمت تلك الشجرة ورسخ أصلها كان أعظم لثمرتها، فالذكر يثمر المقامات كلها من اليقظة إلى التوحيد، وهو أصل كل مقام وقاعدته التي ينبي ذلك المقام عليها، كما يبني الحائط على رأسه وكما يقوم السقف على حائطه. وذلك أن العبد أن لم يستيقظ لم يمكنه قطع منازل السير، ولا يستيقط إلا بالذكر كما تقدم، فالغفلة نوم القلب أو موته.

٤٢

معية خاصة للذاكر

معية بالقرب والولاية والمحبة والنصرة.

اضغط لعرض النص الكامل

(الثانية والأربعون) أن الذكر قريب من مذكوره، ومذكوره معه. وهذه المعية معية خاصة غير معية العلم والإحاطة العامة، فهي معية بالقرب والولاية والمحبة النصرة والتوفيق، كقوله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا} . {والله مع الصابرين} . {وإن الله لمع المحسنين} . {لا تحزن إن الله معنا} وللذاكر من هذه المعية نصيب وافر كما في الحديث الإلهي أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه وفي أثر آخر وأهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيارتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي: إن تابوا فأنا حبيبهم، فأني أحب التوابين وأحب المتطهرين. وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب، لأطهرهم من المعايب. والمعية الحاصلة للذاكر معية لا يشبهها شئ، وهي أخص من المعية الحاصلة للمحسن والمتقي، وهي معية لا تدركها العبارة ولا تنالها الصفة وإنما تعلم بالذوق، وهي مزلة أقدام إن لم يصحب العبد فيها تمييز بين القديم والمحدث، بين الرب والعبد، بين الخالق والمخلوق، بين العابد والمعبود، وإلا وقع في حلول يضاهي به النصارى، أو اتحاد يضاهي به القائلين بوحدة الوجود وأن وجود الرب عين وجود هذه الوجودات، بل ليس عندهم رب وعبد، ولا خلق وحق، بل الرب هو العبد والعبد هو الرب والخلق المشبه هو الحق المنزه، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً. والمقصود أنه إن لم يكن مع العبد عقيدة صحيحة وإلا فإذا استولى عليه سلطان الذكر وغاب بمذكوره عن ذكره وعن نفسه ولج باب الحلول والاتحاد ولا بد.

٤٣

يعادل أعمالاً عظيمة

ذِكرٌ يسابق العتق والنفقة والجهاد.

اضغط لعرض النص الكامل

(الثالثة والأربعون) أن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال والحمل على الخيل في سبيل الله عز وجل، ويعدل الضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل، وقد تقدم أن «من قال في يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزاً من الشيطان يومه حتى يمسي» ، الحديث. وذكر أبن أبي الدنيا عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال: قيل لأبي الدرداء: إن رجلاً أعتق مائة نسمة. قال: إن مائة نسمة من مال رجل كثير، وأفضل من ذلك وأفضل إيمان ملزوم بالليل والنهار، أن لا يزال لسان أحدكم رطباً من ذكر الله عز وجل. وقال أبن مسعود: لأن أسبح الله تعالى تسبيحات أحب إلي من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز وجل. وجلس عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود، فقال عبد الله: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي من أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز وجل. فقال عبد الله بن عمرو: لأن أجد في طريق فأقولهن أحب إلي من أحمل عددهن على الخيل في سبيل الله عز وجل. وقد تقدم حديث أبي الدرداء قال: «قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الورق والذهب وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال اذكروا الله» رواه ابن ماجه والترمذي وقال الحاكم: صحيح الإسناد.

٤٤

الذكر رأس الشكر

من نسي ذكره، فاته معنى الشكر.

اضغط لعرض النص الكامل

(الرابعة والأربعون) أن الذكر رأس الشكر، فما شكر الله تعالى من لم يذكره. وذكر البيهقي عن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام قال: رب قد أنعمت علي كثيراً، فدلني على أن أشكرك كثيراً. قال: اذكرني كثيراً، فإذا ذكرتني كثيراً فقد شكرتني كثيراً، وإذا نسيتني فقد كفرتني. وقد ذكر البيهقي أيضاً في شعب الإيمان عن عبد الله بن سلام قال: قال موسى عليه السلام: يا رب، ما الشكر الذي ينبغي لك؟ فأوحى الله تعالى إليه أن لا يزال لسانك رطباً من ذكري. قال: يارب إني أكون على حال أجلك أن أذكرك فيها. قال: وما هي؟ قال: أكون جنباً أو على الغائط أو إذا بلت. فقال: وإن كان. قال: يا رب، فما أقول؟ قال تقول سبحانك وبحمدك وجنبني الأذي، وسبحانك وبحمدك فقني الأذى. قلت قالت عائشة: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكر الله تعالى على كل أحيانه. ولم تستثن حالة من حالة. وهذا يدل على أنه كان يذكر ربه تعالى في حال طهارته وجنابته، وأما في حال التخلي فلم يكن يشاهده أحد يحكي عنه، ولكن شرع لأمته من الأذكار قبل التخلي وبعده ما يدل على مزيد الأعتناء بالذكر، وأنه لا يخل به عند قضاء الحاجة وبعدها. وكذلك شرع للأمة من الذكر عند الجماع أن يقول أحدهم «بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان ما رزقتنا» . وأما عند نفس قضاء الحاجة وجماع الأهل فلا ريب أنه لا يكره بالقلب لأنه لا بد لقلبه من ذكر، ولا يمكنه صرف قلبه عن ذكر من هو أحب إليه، فلو كلف القلب نسيانه لكان تكليفه بالمحال كما قال القائل: يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل فأما الذكر باللسان على هذه الحالة فليس مما شرع لنا ولا ندبنا إليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا نقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم. وقال عبد الله بن أبي الهذيل: إن الله تعالى ليحب أن يذكر في السوق، ويحب أن يذكر على كل حال، إلا على الخلاء. ويكفي في هذه الحال استشعار الحياء والمراقبة والنعمة عليه في هذه الحالة وهي من أجل الذكر، فذكر كل حال بحسب ما يليق بها، واللائق بهذه الحال التقنع بثوب الحياء من الله تعالى وإجلاله وذكر نعمته عليه وإحسانه إليه في إخراج هذا العدو المؤذي له لو بقي فيه لقتله. فالنعمة في تيسير خروجه كالنعمة في التغذي به. وكان علي بن أبي طالب إذا خرج من الخلاء مسح بطنه وقال: يالها نعمة، لو يعلم الناس قدرها. وكان بعض السلف يقول: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته وأذهب عني مضرته. وكذلك ذكره حال الجماع ذكر هذه النعمة التي من بها عليه، وهي أجل نعم الدنيا. فإذا ذكر نعمة الله تعالى عليه بها هاج من قلبه هائج الشكر، فالذكر رأس الشكر. وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمعاذ «والله يا معاذ إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» فجمع بين الذكر والشكر كما جمع سبحانه وتعالى بينهما في قوله تعالى: {فاذكروني أذكركم، واشكروا لي ولا تكفرون} فالذكر والشكر جماع السعادة والفلاح.

٤٥

الأجر والمنزلة: جمعٌ بين نعمتين

التقوى تُدخل الجنة، والذكر يورث القرب والزلفى.

اضغط لعرض النص الكامل

(الخامسة والأربعون) أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطباً بذكره، فإنه اتقاه في أمره ونهيه وجعل ذكره شعاره. فالتقوى أوجبت له دخول الجنة والنجاة من النار، وهذا هو الثواب والأجر. والذكر يوجب له القرب من الله عز وجل والزلفى لديه، وهذه هي المنزلة. وعمال الآخرة على قسمين: منهم من يعمل على الأجر والثواب، ومنهم من يعمل على المنزلة والدرجة، فهو ينافس غيره في الوسيلة والمنزلة عند الله تعالى ويسابق إلى القرب منه. وقد ذكر الله تعالى النوعين في سورة الحديد في قول الله تعالى: {إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم} فهؤلاء أصحاب الأجور والثواب، ثم قال: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} فهؤلاء أصحاب المنزلة والقرب ثم قال: {والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} فقيل هذا عطف على الخبر من {الذين آمنوا بالله ورسله} أخبر عنهم بأنهم هم الصديقون وأنهم الشهداء الذين يشهدون على الأمم، ثم أخبر عنهم أن لهم أجراً وهو قوله تعالى {لهم أجرهم ونورهم} فيكون قد أخبر عنهم بأربعة أمور: أنهم صديقون، وشهداء. فهذه هي المرتبة والمنزلة. قيل: تم الكلام عند قوله تعالى: {الصديقون} ثم ذكر بعد ذلك حال الشهداء فقال: {والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} فيكون قد ذكر المتصدقين أهل البر والإحسان ثم المؤمنين الذين قد رسخ الإيمان في قلوبهم وامتلأوا منه، فهم الصديقون وهم أهل العلم والعمل، والأولون أهل البر والإحسان، ولكن هؤلاء أكمل صديقية منهم: ثم ذكر الشهداء وأنه تعالى يجري عليهم رزقهم ونورهم لأنهم لما بذلوا أنفسهم لله تعالى أثابهم الله تعالى عليها أن جعلهم أحياء عنده يرزقون فيجري عليهم رزقهم ونورهم فهؤلاء السعداء. ثم ذكر الاشقياء فقال: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} والمقصود أنه سبحانه وتعالى ذكر أصحاب الأجور والمراتب، وهذان الأمران هما اللذان وعدهما فرعون السحرة إن غلبوا موسى عليه الصلاة والسلام فقالوا: {إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم لمن المقربين} أي أجمع لكم بين الأجر والمنزلة عندي والقرب مني. فالعمال عملوا على الأجور، والعارفون عملوا على المراتب والمنزلة والزلفى عند الله. وأعمال هؤلاء القلبية أكثر من أعمال أولئك، وأعمال أولئك البدنية قد تكون أكثر من أعمال هؤلاء.

خلاصة مقارنة (مبسطة)
أصحاب الأجور والثواب أصحاب المنزلة والقرب
يعملون طلباً للأجر والنجاة ينافسون في الوسيلة والقرب
ثمرة ذلك: دخول الجنة والنجاة من النار ثمرة ذلك: الزلفى والمنزلة عند الله
تقوى
ذكرٌ دائم
أجر + منزلة
النص الأصلي الكامل (فوائد ٣٧–٤٥ فقط)

(السابعة والثلاثون) أن الذكر رأس الأصول، وطريق عامة الطائفة ومنشور الولاية: فمن فتح له فيه فقد فتح له باب الدخول على الله عز وجل، فليتطهر وليدخل على ربه عز وجل يجد عنده كل ما يريد، فإن وجد ربه عز وجل وجد كل شئ، وإن فاته ربه عز وجل فاته كل شئ. (الثامنة والثلاثون) في القلب خلة وفاقه لا يسدها شئ البته إلا ذكر الله عز وجل فإذا صار شعار القلب بحيث يكون هو الذاكر بطريق الأصالة واللسان تبع له فهذا هو الذكر الذي يسد الخلة ويفني الفاقه، فيكون صاحبه غنياً بلا مال، عزيزاً بلا عشيرة، مهيباً بلا سلطان. فإذا كان غافلاً عن ذكر الله عز وجل فهو بضد ذلك فقير مع كثرة جدته، ذليل مع سلطانه، حقير مع كثرة عشيرته. (التاسعة والثلاثون) أن الذكر يجمع المتفرق ويفرق المجتمع، ويقرب البعيد ويبعد القريب، فيجمع ما تفرق على العبد من قلبه وإرادته وهمومه وعزومه، والعذاب كل العذاب في تفرقتها وتشتتها عليه وانفراطها له، والحياة والنعيم في اجتماع قلبه وهمه وعزمه وإرادته. ويفرق ما اجتمع عليه من الهموم والغموم والأحزان والحسرات على فوت حظوظه ومطالبه. ويفرق أيضاً ما اجتمع عليه من ذنوبه وخطاياه وأوزاره حتى تتساقط عنه وتتلاشى وتضمحل. ويفرق أيضاً ما اجتمع على حربه من جند الشيطان، فإن إبليس لا يزال يبعث له سرية، وكلما كان أقوى طلباً لله سبحانه وتعالى وأمثل تعلقاً به وإرادة له كانت السرية أكثف وأكثر وأعظم شوكة، بحسب ما عند العبد من مواد الخير والإرادة، ولا سبيل إلى تفريق هذا الجمع إلا بدوام الذكر. وأما تقريبه البعيد فإنه يقرب إليه الآخرة التي يبعدها منه الشيطان والأمل، فلا يزال يلهج بالذكر حتى كأنه قد دخلها وحضرها، فحينئذ تصغر في عينه الدنيا وتعظم في قلبه الآخرة، ويبعد القريب إليه وهي الدنيا التي هي أدنى إليه من الآخرة، فإن الآخرة متى قربت من قلبه بعدت منه الدنيا، كلما قربت منه هذه مرحلة بعدت منه هذه مرحلة، ولا سبيل إلى هذا إلا بدوام الذكر. (الأربعون) أن الذكر ينبه القلب من نومه، ويوقظه من سنته. والقلب إذا كان نائماً فاتته الأرباح والمتاجر وكان الغالب عليه الخسران، فإذا استيقظ وعلم ما فاته في نومته شد المئزر وأحيا بقية عمره واستدرك ما فاته، ولا تحصل يقظته إلا بالذكر، فإن الغفلة نوم ثقيل. (الحادية والأربعون) أن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمر إليها السالكون، فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر، وكلما عظمت تلك الشجرة ورسخ أصلها كان أعظم لثمرتها، فالذكر يثمر المقامات كلها من اليقظة إلى التوحيد، وهو أصل كل مقام وقاعدته التي ينبي ذلك المقام عليها، كما يبني الحائط على رأسه وكما يقوم السقف على حائطه. وذلك أن العبد أن لم يستيقظ لم يمكنه قطع منازل السير، ولا يستيقط إلا بالذكر كما تقدم، فالغفلة نوم القلب أو موته. (الثانية والأربعون) أن الذكر قريب من مذكوره، ومذكوره معه. وهذه المعية معية خاصة غير معية العلم والإحاطة العامة، فهي معية بالقرب والولاية والمحبة النصرة والتوفيق، كقوله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا} . {والله مع الصابرين} . {وإن الله لمع المحسنين} . {لا تحزن إن الله معنا} وللذاكر من هذه المعية نصيب وافر كما في الحديث الإلهي أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه وفي أثر آخر وأهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيارتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي: إن تابوا فأنا حبيبهم، فأني أحب التوابين وأحب المتطهرين. وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب، لأطهرهم من المعايب. والمعية الحاصلة للذاكر معية لا يشبهها شئ، وهي أخص من المعية الحاصلة للمحسن والمتقي، وهي معية لا تدركها العبارة ولا تنالها الصفة وإنما تعلم بالذوق، وهي مزلة أقدام إن لم يصحب العبد فيها تمييز بين القديم والمحدث، بين الرب والعبد، بين الخالق والمخلوق، بين العابد والمعبود، وإلا وقع في حلول يضاهي به النصارى، أو اتحاد يضاهي به القائلين بوحدة الوجود وأن وجود الرب عين وجود هذه الوجودات، بل ليس عندهم رب وعبد، ولا خلق وحق، بل الرب هو العبد والعبد هو الرب والخلق المشبه هو الحق المنزه، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً. والمقصود أنه إن لم يكن مع العبد عقيدة صحيحة وإلا فإذا استولى عليه سلطان الذكر وغاب بمذكوره عن ذكره وعن نفسه ولج باب الحلول والاتحاد ولا بد. (الثالثة والأربعون) أن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال والحمل على الخيل في سبيل الله عز وجل، ويعدل الضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل، وقد تقدم أن «من قال في يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزاً من الشيطان يومه حتى يمسي» ، الحديث. وذكر أبن أبي الدنيا عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال: قيل لأبي الدرداء: إن رجلاً أعتق مائة نسمة. قال: إن مائة نسمة من مال رجل كثير، وأفضل من ذلك وأفضل إيمان ملزوم بالليل والنهار، أن لا يزال لسان أحدكم رطباً من ذكر الله عز وجل. وقال أبن مسعود: لأن أسبح الله تعالى تسبيحات أحب إلي من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز وجل. وجلس عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود، فقال عبد الله: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي من أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز وجل. فقال عبد الله بن عمرو: لأن أجد في طريق فأقولهن أحب إلي من أحمل عددهن على الخيل في سبيل الله عز وجل. وقد تقدم حديث أبي الدرداء قال: «قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الورق والذهب وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال اذكروا الله» رواه ابن ماجه والترمذي وقال الحاكم: صحيح الإسناد. (الرابعة والأربعون) أن الذكر رأس الشكر، فما شكر الله تعالى من لم يذكره. وذكر البيهقي عن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام قال: رب قد أنعمت علي كثيراً، فدلني على أن أشكرك كثيراً. قال: اذكرني كثيراً، فإذا ذكرتني كثيراً فقد شكرتني كثيراً، وإذا نسيتني فقد كفرتني. وقد ذكر البيهقي أيضاً في شعب الإيمان عن عبد الله بن سلام قال: قال موسى عليه السلام: يا رب، ما الشكر الذي ينبغي لك؟ فأوحى الله تعالى إليه أن لا يزال لسانك رطباً من ذكري. قال: يارب إني أكون على حال أجلك أن أذكرك فيها. قال: وما هي؟ قال: أكون جنباً أو على الغائط أو إذا بلت. فقال: وإن كان. قال: يا رب، فما أقول؟ قال تقول سبحانك وبحمدك وجنبني الأذي، وسبحانك وبحمدك فقني الأذى. قلت قالت عائشة: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكر الله تعالى على كل أحيانه. ولم تستثن حالة من حالة. وهذا يدل على أنه كان يذكر ربه تعالى في حال طهارته وجنابته، وأما في حال التخلي فلم يكن يشاهده أحد يحكي عنه، ولكن شرع لأمته من الأذكار قبل التخلي وبعده ما يدل على مزيد الأعتناء بالذكر، وأنه لا يخل به عند قضاء الحاجة وبعدها. وكذلك شرع للأمة من الذكر عند الجماع أن يقول أحدهم «بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان ما رزقتنا» . وأما عند نفس قضاء الحاجة وجماع الأهل فلا ريب أنه لا يكره بالقلب لأنه لا بد لقلبه من ذكر، ولا يمكنه صرف قلبه عن ذكر من هو أحب إليه، فلو كلف القلب نسيانه لكان تكليفه بالمحال كما قال القائل: يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل فأما الذكر باللسان على هذه الحالة فليس مما شرع لنا ولا ندبنا إليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا نقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم. وقال عبد الله بن أبي الهذيل: إن الله تعالى ليحب أن يذكر في السوق، ويحب أن يذكر على كل حال، إلا على الخلاء. ويكفي في هذه الحال استشعار الحياء والمراقبة والنعمة عليه في هذه الحالة وهي من أجل الذكر، فذكر كل حال بحسب ما يليق بها، واللائق بهذه الحال التقنع بثوب الحياء من الله تعالى وإجلاله وذكر نعمته عليه وإحسانه إليه في إخراج هذا العدو المؤذي له لو بقي فيه لقتله. فالنعمة في تيسير خروجه كالنعمة في التغذي به. وكان علي بن أبي طالب إذا خرج من الخلاء مسح بطنه وقال: يالها نعمة، لو يعلم الناس قدرها. وكان بعض السلف يقول: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته وأذهب عني مضرته. وكذلك ذكره حال الجماع ذكر هذه النعمة التي من بها عليه، وهي أجل نعم الدنيا. فإذا ذكر نعمة الله تعالى عليه بها هاج من قلبه هائج الشكر، فالذكر رأس الشكر. وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمعاذ «والله يا معاذ إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» فجمع بين الذكر والشكر كما جمع سبحانه وتعالى بينهما في قوله تعالى: {فاذكروني أذكركم، واشكروا لي ولا تكفرون} فالذكر والشكر جماع السعادة والفلاح. (الخامسة والأربعون) أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطباً بذكره، فإنه اتقاه في أمره ونهيه وجعل ذكره شعاره. فالتقوى أوجبت له دخول الجنة والنجاة من النار، وهذا هو الثواب والأجر. والذكر يوجب له القرب من الله عز وجل والزلفى لديه، وهذه هي المنزلة. وعمال الآخرة على قسمين: منهم من يعمل على الأجر والثواب، ومنهم من يعمل على المنزلة والدرجة، فهو ينافس غيره في الوسيلة والمنزلة عند الله تعالى ويسابق إلى القرب منه. وقد ذكر الله تعالى النوعين في سورة الحديد في قول الله تعالى: {إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم} فهؤلاء أصحاب الأجور والثواب، ثم قال: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} فهؤلاء أصحاب المنزلة والقرب ثم قال: {والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} فقيل هذا عطف على الخبر من {الذين آمنوا بالله ورسله} أخبر عنهم بأنهم هم الصديقون وأنهم الشهداء الذين يشهدون على الأمم، ثم أخبر عنهم أن لهم أجراً وهو قوله تعالى {لهم أجرهم ونورهم} فيكون قد أخبر عنهم بأربعة أمور: أنهم صديقون، وشهداء. فهذه هي المرتبة والمنزلة. قيل: تم الكلام عند قوله تعالى: {الصديقون} ثم ذكر بعد ذلك حال الشهداء فقال: {والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} فيكون قد ذكر المتصدقين أهل البر والإحسان ثم المؤمنين الذين قد رسخ الإيمان في قلوبهم وامتلأوا منه، فهم الصديقون وهم أهل العلم والعمل، والأولون أهل البر والإحسان، ولكن هؤلاء أكمل صديقية منهم: ثم ذكر الشهداء وأنه تعالى يجري عليهم رزقهم ونورهم لأنهم لما بذلوا أنفسهم لله تعالى أثابهم الله تعالى عليها أن جعلهم أحياء عنده يرزقون فيجري عليهم رزقهم ونورهم فهؤلاء السعداء. ثم ذكر الاشقياء فقال: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} والمقصود أنه سبحانه وتعالى ذكر أصحاب الأجور والمراتب، وهذان الأمران هما اللذان وعدهما فرعون السحرة إن غلبوا موسى عليه الصلاة والسلام فقالوا: {إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم لمن المقربين} أي أجمع لكم بين الأجر والمنزلة عندي والقرب مني. فالعمال عملوا على الأجور، والعارفون عملوا على المراتب والمنزلة والزلفى عند الله. وأعمال هؤلاء القلبية أكثر من أعمال أولئك، وأعمال أولئك البدنية قد تكون أكثر من أعمال هؤلاء. وذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى قال: قال موسى عليه السلام: يا رب، أي خلقك أكرم عليك؟ قال: الذي لا يزال لسانه رطباً بذكري. قال: يا رب، فأي خلقك أعلم؟ الذي يلتمس إلى عمله علم غيره. قال: يا رب، أي خلقك أعدل؟ قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس. قال يا رب، أي خلقك أعظم ذنباً؟ قال الذي يتهمني. قال: يا رب، وهل يتهمك أحد؟ قال: الذي يستخبرني ولا يرضى بقضائي. وذكر أيضاً عن أبن عباس قال: لما وقد موسى عليه السلام إلى طور سيناء قال: يا رب، أي عبادك أحب إليك؟ قال الذي يذكرني ولا ينساني. وقال كعب: قال موسى عليه السلام: يا رب، أقريب أنت فأناجيك، أم بعيد فأناديك؟ فقال تعالى: يا موسى، أنا جليس من ذكرني. قال: أني أكون على حال أجلك عنها. قال: ما هي يا موسى؟ قال: عند الغائط والجنابة. قال: أذكرني على كل حال. وقال عبيد بن عمير: تسبيحة بحمد الله في صحيفة مؤمن خير له من جبال الدنيا تجري معه ذهباً. وقال الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، أين الذين كانت {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون} قال فيقومون فيتخطون رقاب الناس. قال: ثم ينادي مناد: سيعلم أهل الجع من أولى بالكرم، أين الذي كانت {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} قال فيقومون فيتخطون من رقاب الناس. قال ثم ينادي مناد: وسيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، أين الحمادون لله على كل حال؟ قال فيقومون وهم كثير. ثم يكون التنعيم والحساب فيمن بقي. وأتى رجل مسلم الخولاني فقال له: أوصني يا أبا مسلم. قال: أذكر الله تعالى تحت كل شجرة ومدرة. فقال له زدني. فقال: أذكر الله حتى يحسبك الناس من ذكر الله تعالى مجنوناً. قال: وكان أبو مسلم يكثر ذكر الله تعالى، فرآه رجل وهو يذكر الله تعالى فقال: أمجنون صاحبكم هذا؟ فسمعه أبو مسلم فقال: ليس هذا بالجنون يا ابن أخي، ولكن هذا ذو الجنون.

تنبيه: تم نقل النص الأصلي الكامل للفوائد (٤٦ وما بعدها) إلى صفحة مستقلة لتخفيف طول الصفحة ومنع التداخل.
فتح صفحة فوائد الذكر (٤٦ وما بعدها) →

ولنذكر فصولاً نافعة تتعلق بالذكر تكميلاً للفائدة:

← فوائد الذكر (1–36) فوائد الذكر (46 وما بعدها) →