ولما كانت مفسدة الزنى من أعظم المفاسد وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب وحمايه الفروج وصيانة الحرمات وتوقي ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس من إفساد كل منهم امرأة صاحبه وبنته وأخته وأمه وفي ذلك خراب العالم كانت تلي مفسدة القتل في الكبر ولهذا قرنها الله سبحانه بها في كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم في سننه كما تقدم. قال: الإمام أحمد: ولا أعلم النفس شيئا أعظم من الزنا وقد أكد سبحانه حرمته بقوله
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاّ مَنْ تَابَ
الآية. فقرن الزنى بالشرك وقتل النفس وجعل جزاء ذلك الخلود في النار في العذاب المضاعف المهين ما لم يرفع العبد وجب ذلك بالتوبة والإيمان والعمل الصالح وقد قال تعالى:
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً
. فأخبر عن فحشه في نفسه وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول. حتى عند كثير من الحيوان كما ذكر البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون
وهذا يتضمن ثلاثة أمور: أن من لم يحفظ فرجه لم يكن من المفلحين وأنه من الملومين ومن العادين ففاته الفلاح واستحق إسم العدوان ووقع في اللوم فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها أيسر من بعض ذلك. ونظير هذا: أنه ذم الإنسان وأنه خلق هلوعا لا يصبر على سرّاء ولا ضرّاء بل إذا مسه الخير منع وبخل وإذا مسه الشر جزع إلاّ من استثناه بعد ذلك من الناجين من خلقه فذكر منهم:
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ
وأمر الله تعالى نبيه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم مطلع عليها
يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ
. ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر جعل الأمر بغضه مقدما على حفظ الفرج فإن الحوادث مبدؤها من البصر كما أن معظم النار من مستصغر الشرر
وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة فنذكر في كل واحد منها فصلا يليق به. فأما اللحظات: فهي رائد الشهوة ورسولها وحفظها أصل حفظ الفرج فمن أطلق نظره أورده موارد الهلاك. وقد قال: النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الأخرى". وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم:"النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن غض بصره عن محاسن امرأة لله أورث الله في قلبه حلاوة إلى يوم القيامة". هذا معنى الحديث. وقال:"غضوا أبصاركم واحفظوا فروجكم". وقال:"إياكم والجلوس على الطرقات. قالوا يا رسول الله مجالسنا مالنا بد منها. قال:"فإن كنتم لا بد فاعلين فأعطوا الطريق حقه. قالوا وما حقه؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام". والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان فإن النظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة ثم تولد الفكرة شهوة ثم تولد الشهوة إرادة ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع. وفي هذا قيل:"الصبر على غض البصر أيسر من ألم ما بعده"ولهذا قال الشاعر:
ومن آفات النظر: أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات فيرى العبد ما ليس قادرا عليه ولا صابرا عنه وهذا من أعظم العذاب: أن ترى ما لا صبر لك عنه ولا عن بعضه ولا قدرة لك عليه قال الشاعر:
وهذا البيت يحتاج إلي شرح. ومراده: أنك تري ما لا تصبر عن شيء منه ولا تقدر عليه فإن قوله:"لا كله أنت قادر عليه"نفى لقدرته على الكل الذي لا ينتفي إلاّ بنفي القدرة عن كل واحد واحد. وكم من أرسل لحظاته فمن أقلعت إلاّ وهو يتشحط بينهن قتيلا كما قيل:
ولي من أبيات:
ما زال يتبع أثره لحظاته حتى تشحط بينهن قتيلا
ومن العجب أن لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه حتى يتبوء مكانا من قلب الناظر ولي من قصيدة:
وأعجب من ذلك أن النظرة تجرح القلب جرحا فيتبعها جرح على جرح ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها. ولي أيضا في هذا المعنى:
وقد قيل: أن جنس اللحظات أيسر من دوام الحسرات.
وأما الخطرات: فشأنها أصعب فأنها مبدأ الخير والشر ومنها تتولد الإرادات والهمم والعزائم فمن راعي خطراته ملك زمام نفسه وقهر هواه ومن غلبته خطراته فهواه ونفسه له أغلب. ومن استهان بالخطرات قادته قهرا إلى الهلكات. ولا تزال الخطرات تتردد على القلب حتى تصير منى باطلة
كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
وأخس الناس همة وأوضعهم نفسا من رضي من الحقائق بالأماني الكاذبة واستجلبها لنفسه وتحلى بها وهي لعمر الله رؤوس من أموال المفلسين ومتاجر الباطلين وهي قوة النفس الفارغة التي قد قنعت من الوصل بزورة الخيال ومن الحقائق بكواذب الآمال كما قال الشاعر:
💎 وهي أضر شيء على الإنسان وتتولد من العجز والكسل وتولد التفريط والإضاعة والحسرة والندامة
المتمني لما فاته مباشرة الحقيقة بجسمه حول صورتها في قلبه وعانقها وضمها إليه فقنع بوصال صورة وهمية خالية صورها فكره وذلك لا يجدي عليه شيئا وإنما مثله مثل الجائع والظمآن يصور في وهمه صورة الطعام
ثم الخطرات بعد أقسام تدور على أربعة أصول: خطرات يستجلب بها العبد منافع دنياه وخطرات يستدفع بها مضار دنياه وخطرات يستجلب بها مصالح آخرته وخطرات يستدفع بها مضار آخرته. فليحصر العبد خطراته وأفكاره وهمومه في هذه الأقسام الأربعة فإذا انحصرت له فيها فما أمكن اجتماعه منها لم يتركه لغيره وإذا تزاحمت عليه الخطرات كتزاحم متعلقاتها قدم الأهم فالأهم الذي يخشى فوته وأخر الذي ليس بأهم ولا يخاف فوته. بقي قسمان آخران أحدهما: مهم لا يفوت. والثاني: غير مهم ولكنه يفوت ففي كل منهما ما يدعو إلى تقديمه فهنا يقع التردد والحيرة فيه فإن قدم الأهم خشي فوات ما دونه وإن قدم ما دونه فاته الاشتغال به عن المهم وذلك بأن يعرض له أمران لا يمكن الجمع بينهما ولا يحصل أحدهما إلاّ بتفويت الآخر فهذا موضع استعمال العقل والفقه والمعرفة ومن هاهنا ارتفع من ارتفع وأنجح من أنجح وخاب من خاب فأكثر من ترى ممن يعظم عقله ومعرفته يؤثر غير المهم الذي لا يفوت على المهم الذي يفوت ولا تجد أحدا يسلم من ذلك ولكن مستقل ومستكثر. والتحكيم في هذا الباب للقاعدة الكبرى التي عليها مدار الشرع والقدر وإليها مرجع خلقت الخلق والأمر وهي إيثار أكبر المصلحتين وأعلاهما وإن فاتت المصلحة التي هي دونها والدخول في أدنى المفسدتين لدفع ما هو أكبر منها
فخطرات العاقل وفكره لا يجاوز ذلك وبذلك جاءت الشرائع ومصالح الدنيا والآخرة لا تقوم إلاّ على ذلك وأعلى الفكر وأجلها وأنفعها: ما كان لله والدار الآخرة فما كان لله فهو أنواع. الأول: الفكرة في آياته المنزلة وتعقلها وفهمها وفهم مراده منها ولذلك أنزلها الله تعالى لا لمجرد تلاوتها بل التلاوة وسيلة. قال بعض السلف: أنزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملا. الثاني: الفكرة في آياته المشهودة والاعتبار بها والاستدلال بها على أسمائه وصفاته وحكمته وإحسانه وبره وجوده وقد حض الله سبحانه عباده على التفكر في آياته وتدبرها وتعقلها وذم الغافل عن ذلك. الثالث: الفكرة في آلائه وإحسانه وإنعامه على خلقه بأصناف النعم وسعة مغفرته ورحمته وحلمه. وهذه الأنواع الثلاثة تستخرج من القلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجاءه ودوام الفكرة في ذلك مع الذكر يصبغ القلب في المعرفة والمحبة صبغة تامة. الرابع: الفكرة في عيوب النفس وآفاتها وفي عيوب العمل وهذه الفكرة عظيمة النفع وهي باب لكل خير وتأثيرها في كسر النفس الأمارة بالسوء ومتى كسرت عاشت النفس المطمئنة وانتعشت وصار الحكم لها فحي القلب ودارت كلمته في مملكته وبث أمراءه وجنوده في مصالحه. الخامس: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته وجمع الهم كله عليه فالعارف ابن وقته فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها فجميع المصالح
قال الشافعي رضي الله عنه:"صحبت الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين أحدهما قولهم: الوقت سيف فإن لم تقطعه قطعك. وذكر الكلمة الأخرى ونفسك إن أشغلتها بالحق وإلا شغلتك بالباطل"فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم ومادة المعيشة الضنك في العذاب الأليم وهو يمر أسرع من مر السحاب فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره وغير ذلك ليس محسوبا من حياته وإن عاش فيه عيش البهائم فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه بالنوم والبطالة فموت هذا خيرا له من حياته وإذا كان العبد وهو في الصلاة ليس له (من صلاته) إلاّ ما عقل منها فليس له من عمره إلاّ ما كان فيه بالله وله وما عدا هذه الأقسام من الخطرات والفكر فأما وساوس شيطانية وإما أماني باطلة وخدع كاذبة بمنزلة خواطر المصابين في عقولهم من السكارى والمحشوشين والموسوسين ولسان حال هؤلاء يقول عند انكشاف الحقائق:
وأعلم أن ورود الخاطر لا يضر وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته فالخاطر كالمار على السلام فإن لم تستدعه فإن تركته مر وانصرف عنك وإن استدعيته سحرك بحديثه وخدعه وغروره وهو أخف شيء على النفس الفارغة بالباطلة وأثقل شيء على القلب والنفس الشريفة السماوية المطمئنة. وقد ركب الله سبحانه في الإنسان نفسين نفسا أمارة ونفسا مطمئنة وهما متعاديتان فكلما خف على هذه ثقل على هذه، وتألمت به تلك، وكل ما التذت به هذه تألمت به تلك، وبالضد.
وهذا كثير من أرباب السلوك بنوا سلوكهم على حفظ الخواطر وأن لا يمكنوا خاطر يدخل قلوبهم حتى تصير القلوب فارغة قابلة للكشف وظهور حقائق العلويات فيها وهؤلاء حفظوا شيئا وغابت عنهم أشياء فإنهم أخلوا القلوب من أن يطرقها خاطر فبقيت فارغة لا شيء فيها فصادفها الشيطان خالية فبذر فيها الباطل في قوالب أوهمهم أنها أعلى الأشياء وأشرفها وعوضهم بها عن الخواطر التي هي مادة العلم والهدي وإذا خلى القلب عن هذه الخواطر جاء الشيطان فوجد المحل خاليا فشغله بما يناسب حال صاحبه حيث لم يستطع
ولهذا فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت تتزاحم عليه الخواطر في مرضات الرب تعالى فربما استعملها في صلاته فكان يجهز جيشه وهو في صلاته فيكون قد جمع بين الصلاة والجهاد وهذا من باب تداخل العبادات في العبادة الواحدة. وهو من باب عزيز شريف لا يدخل منه إلاّ صادق حاذق الطلب متضلع من العلم عالي الهمة بحيث تدخل في عبادة يظفر فيها بعبادات شتي وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
وأما اللفظات: فحفظها بأن لا يخرج لفظه ضائعة بأن لا يتكلم إلاّ فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح أو فائدة أم لا؟ فان لم يكن فيها ربح أمسك عنها وإن كان فيها ربح نظر: هل تفوته بها كلمة هي أربح منها؟ فلا يضيعها بهذه وإذا أردت أن تستدل
قال: يحيى بن معاذ"القلوب كالقدور تغلي بما فيها وألسنتها مغارفها". فانظر الرجل حين يتكلم فإن لسانه يغترف لك به مما في قلبه حلو وحامض وعذب وأجاج وغير ذلك ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه أي كما تطعم بلسانك فتذوق ما في قلبه من لسانه كما تذوق ما في القدر بلسانك. وفي حديث أنس المرفوع"لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه"وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال:"الفم والفرج". قال: الترمذي حديث حسن صحيح. وقد سأل معاذ النبي صلى الله عليه وسلم عن العمل يدخله الجنة ويباعده من النار فأخبره صلى الله عليه وسلم برأسه وعموده وذروة سنامه ثم قال:"ألا أخبركم بملاك ذلك كله؟ قال: بلى يا رسول الله فأخذ بلسان نفسه ثم قال: كف عليك هذا فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوهم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم"قال: الترمذي حديث حسن صحيح. ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه حتى يري الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بال يزال بالكلمة الواحدة بين المشرق والمغرب وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم
وإذا أردت أن تعرف ذلك فأنظر إلى ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم"قال رجل والله لا يغفر الله لفلان فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علي إني لا أغفر لفلان؟ قد غفرت له وأحبطت عملك"فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء أن يعبده أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله. وفي حديث أبي هريرة نحو ذلك ثم قال أبو هريرة:"تكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته". وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة
قال ﷺ: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالا يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا يهوي بها في نار جهنم»
. وعند مسلم"أن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المغرب والمشرق". وعند الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث بلال بن الحارث المزني"إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه". فكان علقمة يقول":كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث"؟ وفي جامع الترمذي أيضا من حديث أنس قال:"توفى رجل من الصحابة فقال رجل: أبشر بالجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريك؟ فلعله تكلم فيما لا يعنيه أو بخل بمالا ينقصه"قال: حديث حسن.
في الصحيحين من حديث أبى هريرة يرفعه"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت". وفي لفظ لمسلم"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمرا فليتكلم بخير أو ليسكت". وذكر الترمذي بإسناد صحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك قال:"قل آمنت بالله ثم استقم"قال: قلت يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال:"هذا"والحديث صحيح. وعن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كل كلام ابن آدم عليه لا له إلاّ أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكر لله عز وجل"قال: الترمذي حديث حسن. وفي حديث آخر"إذا أصبح العبد فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان تقول: اتق الله فإنما نحن بك فإذا استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا". وقد كان بعض السلف يحاسب أحدهم نفسه في قوله: يوم حار ويوم بارد ولقد روى بعض الأكابر من أهل العلم في النوم بعد موته فسئل عن حاله فقال: أنا موقوف على كلمة قلتها قلت ما أحوج الناس إلى غيث فقيل لي: وما يدريك؟
واختلف السلف والخلف هل يكتب جميع ما يلفظ به أو الخير والشر فقط؟ على قولين أظهرهما الأول. وقال بعض السلف: كل كلام بن آدم عليه لا له إلاّ ما كان من ذكر الله وما والاه وكان الصديق رضي الله عنه يمسك بلسانه ويقول:"هذا أوردني الموارد"والكلام أسيرك فإذا خرج من فيك صرت أسيره. والله عند لسان كل قائل
مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
. وفي اللسان آفتان عظيمتان إن خلص العبد من احدهما لم يخلص من الأخرى. آفة الكلام وآفة السكوت وقد يكون كل منهما أعظم إثماً من الأخرى في وقتها فالساكت عن الحق شيطان أخرس عاص لله مراء مداهن إذا لم يخف على نفسه. والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاص لله وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته فهم بين هذين النوعين وأهل الوسط وهم أهل الصراط المستقيم كفوا ألسنتهم عن الباطل واطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة فلا ترى أحدهم أنه يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة فضلا أن تضره في آخرته وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله عز وجل وما اتصل به.
وأما الخطوات: فحفظها بأن لا ينقل قدمه إلاّ فيما يرجوا ثوابه عند الله تعالى فإن لم يكن في خطاه مزيد ثواب فالقعود عنها خير له ويمكنه أن يستخرج من كل مباح يخطو إليه قربة يتقرب بها وينويها لله فتقع خطاه قربة. ولما كانت العثرة عثرتين: عثرة الرجل وعثرة اللسان جاءت إحداهما قرينة الأخرى في قوله تعالى
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً
فوصفهم بالاستقامة في لفظاتهم وخطواتهم كما جمع بين اللحظات والخطوات في قوله تعالى
يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ
.
وهذا كله ذكرناه مقدمة بين يدي تحريم الفواحش ووجوب حفظ الفرج وقد قال: صلى الله عليه وسلم"أكثر ما يدخل الناس النار: الفم والفرج". وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم"لا يحل دم امرئ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة". وهذا الحديث في اقتران الزنا بالكفر وقتل النفس نظير الآية التي في الفرقان ونظير حديث ابن مسعود. بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأكثر وقوعا ثم بالذي يليه فالزنا أكثر وقوعا النفس وقتل النفس أكثر وقوعا من الردة نعوذ بالله منها وأيضا فإنه انتقال من الأكبر إلى ما هو أكبر منه مفسدة ومفسدة الزنى مناقضة لصلاح العالم فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها ونكست رؤوسهم بين الناس
ومن خاصيته: أنه يوجب الفقر ويقصر العمر ويكسو صاحبه سواد الوجه وثوب المقت بين الناس. ومن خاصيته أيضا: أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته ويجلب الهم والحزن والخوف ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته ولهذا شرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها ولو بلغ العبد أن امرأته أو حرمته قتلت كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت. وقال سعد بن عبادة رضي الله عنه:"لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن"متفق عليه. وفي الصحيحين أيضا عنه صلى الله عليه وسلم"إن الله يغار وإن المؤمن يغار غيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه". وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم"لا أحد أغير من الله من أن يزني عبده أو تزني أمته".
وفي الصحيحين في خطبته صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف أنه قال:"يا أمة محمد والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزنى عبده أو تزني أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ثم رفع يديه فقال: اللهم هل بلغت؟". وفي ذكر هذه الكبيرة بخصوصها عقيب صلاة الكسوف سر بديع لمن تأمله وظهور الزنى من أمارات خراب العالم وهو من أشراط الساعة كما في الصحيحين عن أنس بن مالك أنه قال:"لأحدثكم حديثا لا يحدثكموه أحد بعدي سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنى ويقل الرجال وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد". وقد جرت سنة الله سبحانه في خلقه أنه عند ظهور الزنى يغضب الله سبحانه وتعالى ويشتد غضبه فلابد أن يؤثر غضبه في الأرض عقوبة فقال: عبد الله بن مسعود"ما ظهر الربا والزنا في قرية إلاّ أذن الله بإهلاكها"ورأى بعض أحبار بنى إسرائيل ابنا له يغامز امرأة فقال مهلا يا بني فصرع الأب عن سريره فأنقطع نخاعه وأسقطت امرأته وقيل له"هكذا غضبك لي؟ لا يكون في جنسك خير أبدا". وخص سبحانه حد الزنى من بين سائر الحدود بثلاث خصائص: أحدها القتل فيه بأشنع القتلات وحيث خففه فجمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة.
وهذا -وإن كان عاما في سائر الحدود- ولكن ذكر في حد الزنى خاصة لشدة الحاجة إلى ذكره فإن الناس لا يجدون في قلوبهم من الغلطة والقسوة على الزاني ما يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم من أرباب الجرائم والوقائع والواقع شاهد بذلك فنهوا أن تأخذهم هذه الرأفة وتحملهم على تعطيل حد الله عز وجل. وسبب هذه الرحمة: أن هذا ذنب يقع من الأشراف والأوساط والأراذل وفي النفوس أقوى الدواعي إليه والمشارك فيه كثير وأكثر أسبابه العشق والقلوب مجبولة على رحمة العاشق وكثير من الناس يعد مساعدته طاعة وقرية وإن كانت الصورة المعشوقة محرمة عليها ولا يستنكر هذا الأمر: فهو مستقر عند من شاء الله من أشباه الأنعام ولقد حكى لنا من ذلك شيء كثيرا كثرة عن ناقصي العقول كالخدام والنساء. وأيضا فإن هذا ذنب غالب ما يقع مع التراضي من الجانبين فلا يقع فيه من العدوان والظلم والاغتصاب ما تنفر النفوس منه وفيها شهوة غالبة له فتصور ذلك لنفسها فتقوم بها رحمة تمنع إقامة الحد وهذا كله من ضعف الإيمان، وكمال الإيمان أن تقوم به قوة يقيم أمر الله ورحمة يرحم بها المحدود فيكون موافقا لربه سبحانه في أمره ورحمته. الثالث: أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين فلا يكون في خلوة حيث لا يراهما أحد وذلك أبلغ في مصلحة الحد وحكمة الزجر.
وقد اختلف الناس: هل يدخل الجنة مفعول به؟ على قولين سمعت شيخ الإسلام رحمه الله يحكيهما. والذين قالوا لا يدخل الجنة احتجوا بأمور: منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يدخل الجنة ولد زنا"فإذا كان هذا حال ولد الزنى مع أنه لا ذنب له في ذلك ولكنه مظنة كل شر وخبث وهو جدير أن لا يجيء منه خيرا أبدا لأنه مخلوق من نطفة خبيثة وإذا كان الجسد الذي تربى على الحرام النار أولى به فكيف بالجسد المخلوق من النطفة الحرام؟. قالوا: والمفعول به شر من ولد الزنى وأخزى وأخبث وأوسخ وهو جدير أن لا يوفق للخير وأن يحال بينه وبينه وكلما عمل خيرا قيض الله ما يفسده عقوبة له وقل أن ترى من كان كذلك في صغره إلاّ وهو في كبره شر مما كان ولا يوفق ولا لعلم نافع ولا عمل الصالح ولا توبة نصوح. والتحقيق في هذه المسألة أن يقال: إن تاب المبتلى بهذا البلاء وتاب ورزق توبة نصوحا وعملا صالحا وكان في كبره خيرا منه في صغره وبدل سيئآته بحسنات وغسل عار ذلك عنه بأنواع الطاعات والقربات وغض بصره وحفظ فرجه عن المحرمات وصدق الله في معاملته فهذا مغفور له وهو من أهل الجنة.
وأما مفعول به إن كان في كبره شرا مما كان في صغره: لم يوفق لتوبة نصوحا ولا لعمل صالح ولا استدرك ما فات ولا أبدل السيئات بالحسنات فهذا بعيد أن يوفق عند الممات لخاتمة يدخل بها الجنة عقوبة له على عمله فإن الله سبحانه وتعالى يعاقب على السيئة بسيئة أخرى وتتضاعف عقوبة السيئات بعضها ببعض كما يثيب على الحسنة بحسنة أخرى فتضاعف الحسنات. وإذا نظرت إلى حال كثير من المحتضرين وجدتهم يحال بينهم وبين حسن الخاتمة عقوبة لهم على أعمال السيئة. قال الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الاشبيلي رحمه الله:"وأعلم أن لسوء الخاتمة -أعاذنا الله منها- أسباب ولها طرق وأبواب أعظمها الإنكباب على الدنيا وطلبها والحرص عليها والإعراض عن الأخرى والإقدام معاصي الله عز وجل وربما غلب على الإنسان ضرب من الخطيئة ونوع من المعصية وجانب من الإعراض ونصيب من الجرأة والإقدام فملك قلبه وسبى عقله وأطفأ نوره وأرسل عليه حجبه فلم تنفع فيه تذكرة ولا نجحت فيه موعظة فربما جاءه الموت على ذلك فسمع النداء من مكان بعيد فلم يتبين له المراد ولا علم ما أراد وإن كرر عليه الداعي وأعاد.
قال: ويروي أن بعض رجال الناصر نزل به الموت فجعل ابنه يقول له: قل لا إله إلاّ الله فقال الناصر مولاي فأعاد عليه القول فقال مثل ذلك أصابته غشية فلما أفاق قال: الناصر مولاي وكان هذا دأبه كلما له قيل لا إله إلاّ الله قال: الناصر مولاي ثم قال: لابنه يا فلان الناصر إنما يعرفك بسيفك والقتل القتل ثم مات على ذلك. قال: عبد الحق رحمه الله -وقيل لآخر ممن أعرفه- قل لا إله إلاّ الله فجعل يقول الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا والبستان الفلاني افعلوا فيه كذا. وقال: وفيما أذن أبو طاهر السلفي أن أحدث به عنه أن رجلا نزل به الموت فقيل له: قل لا إله إلاّ الله فجعل يقول بالفارسية: ده يازده ده وزداه تفسيره: عشر بإحدى عشر. وقيل لآخر: قل لا إله إلاّ الله فجعل يقول: أين الطريق إلى حمام منجاب؟. قال: وهذا الكلام له قصة وذلك أن رجلا كان واقفا بإزاء داره وكان بابها يشبه باب هذا الحمام فمرت به جارية لها منظر فقالت: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فقال هذا حمام منجاب فدخلت الدار ودخل وراءها. فلما رأت نفسها في داره وعلمت أنه قد خدعها أظهرت له البشرى والفرح باجتماعها معه. وقالت له: خدعة منها له وتحيلا لتتخلص مما أوقعها فيه وخوفا من فعل الفاحشة يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا وتقربه عيوننا فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين وخرج وتركها في الدار ولم يغلقها فأخذ ما يصلح ورجع فوجدها قد خرجت وذهبت ولم تخنه في شيء فهام الرجل وأكثر الذكر لها وجعل يمشي في الطرق والأزقة ويقول:
فبينما يقول ذلك وإذا بجاريته أجابته من طاق:
فازداد هيمانه واشتد هيجانه ولم يزل كذلك حتى كان هذا البيت آخر كلامه من الدنيا. ولقد بكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح فلما أصبح قيل له: كل هذا خوفا من الذنوب؟ فأخذ تنبة من الأرض وقال: الذنوب أهون من هذه وإنما أبكى خوفا من"سوء"الخاتمة. وهذا من أعظم الفقه: أن يخاف الرجل أن تخدعه ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى. وقد ذكر الإمام أحمد عن أبى الدرداء أنه لما احتضر جعل يغمى عليه ثم يفيق ويقرأ
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
. فمن هذا خاف السلف من الذنوب أن تكون حجابا بينهم وبين الخاتمة الحسنى. قال: وأعلم أن سوء الخاتمة- أعاذنا الله تعالى منها- لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه ما سمع بهذا ولا علم به ولله الحمد وإنما تكون لمن له فساد في العقيدة أو إصرار على الكبيرة وإقدام على العظائم فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة فيأخذه قبل إصلاح الطوية ويصطلم قبل الإنابة فيظفر به الشيطان عند تلك الصدمة ويختطفه عند تلك الدهشة والعياذ بالله. قال: ويروي أنه كان بمصر رجل يلزم المسجد للأذان والصلات فيه وعليه بهاء الطاعة وأنور العبادة فرقى يوما المنارة على عادته للأذان وكان تحت المنارة دارا لنصراني فاطلع فيها فرأي إبنة صاحب الدار فافتن بها فترك الأذان
وقال: ويروى أن رجلا عشق شخصا فاشتد كلفه به وتمكن حبه من قلبه حتى وقع ألما به ولزم الفراش بسببه وتمنع ذلك الشخص عليه واشتد نفاره عنه فلم تزل الوسائط يمشون بينهما حتى وعده أن يعوده فأخبر بذلك الناس. ففرح واشتد سروره وانجلى غمه وجعل ينتظر الميعاد الذي ضربه له فبينا هو كذلك إذ جاءه الساعي بينهما فقال: أنه وصل معي إلى بعض الطريق ورجع فرغبت إليه وكلمته فقال: أنه ذكرني وفرح بي ولا أدخل مداخل الريب ولا أعرض نفسي لمواقع التهم فعاودته فأبى وانصرف فلما سمع البائس ذلك أسقط في يده إلى أشد مما كان به وبدت عليه علائم الموت فجعل يقول في تلك الحال:
فقلت: له يا فلان اتق الله قال: قد كان فقمت عنه فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت فعياذا بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة.
ولما كانت مفسدة اللواط من أعظم المفاسد كانت عقوبته في الدنيا والآخرة من أعظم العقوبات.
فذهب أبو بكر الصديق وعلى بن أبي طالب وخالد بن الوليد وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وخالد بن زيد وعبد الله بن معمر والزهري وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك وإسحق بن راهويه والإمام أحمد في أصح الروايتين عنه والشافعي في أحد قوليه إلى أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزنى وعقوبته القتل على كل حال محصنا كان أو غير محصن. وذهب عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والأوزاعى والشافعي في ظاهر مذهبه والإمام أحمد في الرواية الثانية عنه وأبو يوسف ومحمد إلى أن عقوبته وعقوبة الزانى سواء. وذهب الحاكم والإمام أبو حنيفة إلى أن عقوبته دون عقوبة الزانى وهي التعزير. قالوا: لأنه معصية من المعاصي لم يقدر الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فيه حدا مقدرا فكان فيه التعزير كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير. قالوا: ولأنه وطأ في محل لا تشتهيه الطبائع بل ركبها الله تعالى على النفرة منه حتى الحيوان البهيم فلم يكن فيه حد كوطء الأتان وغيرها. قالوا: ولأنه لا يسمى زانيا لغة ولا شرعا ولا عرفا فلا يدخل في النصوص من الدلالة على حد الزانيين. قالوا: وقد رأينا قواعد الشريعة أن المعصية إذا كان الوازع عنها طبعيا اكتفى بذلك الوازع من الحد وإذا كان في الطبائع تقاضيها جعل فيها الحد بحسب اقتضاء الطبائع لها ولهذا جعل الحد في الزنى والسرقة وشرب المسكر دون أكل الميتة والدم ولحم الخنزير. قالوا: وطرد هذا أنه في وطيء البهيمة ولا الميتة وقيل: جبل الله
قالوا: ولأن أحد النوعين إذا استمتع بشكله لم يجب عليه الحد كما لو تساحقت المرأتان واستمتعت كل واحدة منهما بالأخرى. قال أصحاب القول الأول وهم جمهور الأمة وحكاه غير واحد إجماعا للصحابة: ليس في المعاصي مفسدة أعظم من مفسدة اللواط وهي تلي مفسدة الكفر وربما كانت أعظم من مفسدة القتل كما سنبينه إن شاء الله تعالى. قالوا: ولم يبتل الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدا من العالمين وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أحدا غيرهم وجمع عليهم أنواعا من العقوبات من الإهلاك وقلب ديارهم عليهم والخسف بهم ورجمهم بالحجارة من السماء وطمس أعينهم وعذبهم وجعل عذابهم مستمرا فنكل بهم نكالا لم ينكله أمة سواهم وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عملت عليها وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم وتعج الأرض إلى ربها تبارك وتعالى وتكاد الجبال تزول عن أماكنها وقتل المفعول به خير له من وطئه فانه إذا وطأه الرجل قتله قتلا لا ترجي الحياة معه بخلاف قتله فانه مظلوم شهيد وربما ينتفع به في آخرته. قالوا: والدليل على هذا: أن الله سبحانه جعل حد القاتل إلى خيرة الولي إن شاء قتل وإن شاء عفا وحتم قتل اللوطي حدا كما أجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد ثبت عن خالد بن الوليد"أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فكتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فاستشار أبو بكر الصديق الصحابة رضي الله عنهم فكان على بن أبي طالب أشدهم قولا فيه فقال: ما فعل هذا إلاّ أمة من الأمم واحدة وقد علمتم ما فعل الله بها أرى أن يحرق بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد فحرقه". وقال عبد الله بن عباس:"أن ينظر أعلى ما في القرية فيرمى اللوطي منها منكسا ثم يتبع بالحجارة"وأخذ ابن عباس هذا الحد من عقوبة الله للوطية قوم لوط وابن عباس هو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به"رواه أهل السنن وصححه ابن حبان وغيره واحتج الإمام أحمد بهذا الحديث وإسناده على شرط البخاري. قالوا: وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط"ولم تجيء عنه لعنة الزانى ثلاث مرات في حديث واحد وقد لعن جماعة من أهل الكبائر فلم يتجاوز بهم في اللعن مرة واحدة وكرر لعن اللوطية فأكده ثلاث مرات وأطبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتله لم يختلف منهم فيه رجلان وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله فظن بعض الناس ذلك اختلاف منهم في قتله فحكاها مسألة نزاع بين الصحابه وهي بينهم مسألة إجماع لا مسألة نزاع. قالوا: ومن تأمل قوله سبحانه
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً
. وقوله في اللواط {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ
ثم أكد سبحانه شأن فحشها بأنها لم يعملها احد من العالمين قبلهم فقال:
مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ
ثم زاد في التأكيد بان صرح بما تشمئز منه القلوب وتنبوا عنها الأسماع وتنفر منه أشد النفور وهو إتيان الرجل رجلا مثله ينكحه كما ينكح الأنثى فقال:
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ
. ثم نبه على استغنائهم عن ذلك. وأن الحامل لهم عليه ليس إلاّ مجرد الشهوة لا الحاجة التي لأجلها مال الذكر إلى الأنثى من قضاء الوطر ولذة الاستمتاع وحصول المودة والرحمة التي تنسي المرأة لها أبويها وتذكر بعلها وحصول النسل الذي هو حفظ هذا النوع الذي هو أشرف المخلوقات وتحصين المرأة وقضاء للوطر وحصول علاقة المصاهرة التي هي أخت النسب وقيام الرجال على النساء وخروج أحب الخلق إلى الله من جماعهن كالأنبياء والأولياء والمؤمنين ومكاثرة النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء بأمته إلى غير ذلك من مصالح النكاح والمفسدة التي في اللواط تقاوم ذلك كله وتربى عليه بما لا يمكن حصره وفساده ولا يعلم تفصيله إلاّ الله عز وجل. ثم أكد سبحانه قبح ذلك بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر عليه الرجال
ثم أكد سبحانه قبح ذلك بأن حكم عليهم بالإسراف وهو مجاوزة الحد فقال:
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
فتأمل هل جاء ذلك أو قريبا منه في الزنا؟ وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله:
وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ
ثم أكد سبحانه عليهم الذم بوصفين في غاية القبح فقال:
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ
وسماهم مفسدين في قول نبيهم فقال:
قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ
وسماهم ظالمين في قول الملائكة لإبراهيم عليه السلام:
إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ
. فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات ومن ذمه الله بمثل هذه المذمات ولما جادل فيهم خليله إبراهيم الملائكة وقد أخبروه بإهلاكهم فقيل له:
يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ
. وتأمل خبث اللوطية وفرط تمردهم على الله حيث جاؤا نبيهم لوطا لما سمعوا بأنه قد طرقه أضياف هم من أحسن البشر صورا فأقبل اللوطية إليهم يهرعون. فلما رآهم قال لهم:
قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ
ففدا أضيافه ببناته يزوجهم بهم خوفا على نفسه وعلى أضيافه من العار الشديد. فقال:
قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ
. فردوا عليه ولكن رد جبار عنيد
قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ
. فنفث نبي الله نفثة مصدور وخرجت من قلب مكروب فقال:
قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ
ذهبت اللذات وأعقبت الحسرات وانقضت الشهوات وأورثه الشقوات تمتعوا قليلا وعذبوا طويلا رتعوا مرتعا وخيما فأعقبهم عذابا
في الأجوبة عما احتج به من جعل عقوبة هذه الفاحشة دون عقوبة الزنى. أما قولهم إنها معصية لم يجعل الله فيه حدا معينا فجوابه من وجوه: أحدها: أن المبلغ عن الله جعل حد صاحبها القتل حتما وما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم فإنما شرعه عن الله فان أردتم أن حدها غير معلوم بالشرع فما الدليل على ذلك؟.
والثاني: أن هذا ينتقض عليكم بالرجم فانه إنما ثبت بالسنة. فان قلتم: بل ثبت بقرآن نسخ لفظه وبقى حكمه. قلنا: فينقض عليكم بحد شارب الخمر. والثالث: أن نفى دليل معين لا يستلزم نفى مطلق الدليل ولا نفي المدلول فكيف وقد قدمنا أن الدليل الذي نفيتموه غير منتف؟ وأما قولكم إنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع بل ركب الله الطباع على النفرة منه فهو كوطء الميتة والبهيمة فجوابه من وجوه: أحدها: أنه قياس فاسد الاعتبار مردود بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة. كما تقدم بيانه. الثاني: أن قياس وطء الأمرد الجميل الذي تربي فتنته على كل فتنة على وطء أتان أو امرأة ميتة من أفسد القياس وهل تعدل ذلك أحد قط باتان أو بقرة أو ميتة أو سبي ذلك عقل عاشق قلبه أو استولى على فكره ونفسه فليس في القياس أفسد من هذا. الثالث: أن هذا منتقض بوطء الأم والبنت والأخت فإن النفرة الطبيعية عنه حاصلة مع أن الحد فيه من أغلظ الحدود -في أحد القولين- وهو القتل بكل حال محصنا كان أو غير محصن وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وهو قول إسحاق بن رهويه وجماعة من أهل الحديث. وقد روى أبو داود والترمذي من حديث البراء بن عازب قال:"لقيت عمى ومعه الراية فقلت له إلى أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه وأخذ ماله". قال الترمذي: حديث حسن غريب.
في سنن أبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من وقع على ذات محرم فاقتلوه". ورفع إلى الحجاج رجلا اغتصب أخته على نفسها فقال: أحبسوه واسألوا من ها هنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا عبد الله بن مطرف فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من تخطى حرم المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف"وفيه دليل على القتل بالتوسيط وهذا دليل مستقل في المسألة وهو أن من لا يباح وطؤه بحال فحد واطئه القتل دليله: من وقع على أمه وابنته وكذلك يقال في وطء ذوات المحارم من وطء من لا يباح وطؤه بحال فكان حده القتل كاللوطي. والتحقيق: أن يستدل على المسألتين بالنص والقياس يشهد لصحة كل منهما وقد إتفق المسلمون على أن من زنا بذات محرم فعليه الحد وإنما اختلفوا في صفة الحد هل هو القتل بكل حال أو حده حد الزاني؟ على قولين: فذهب الشافعي ومالك وأحمد -في إحدى روايتيه- أن حده حد الزاني. وذهب أحمد وإسحق وجماعة من أهل الحديث إلى أن حده القتل بكل حال وكذلك اتفقوا كلهم على أنه لو أصابها باسم النكاح عالما بالتحريم أنه يحد إلاّ أبا حنيفة وحده فانه رأي ذلك شبهة مسقطة للحد. والمنازعون يقولون: إذا أصابها باسم النكاح فقد زاد الجريمة غلظا وشدة. فإنه ارتكب محذورين عظيمين: محذور العقد ومحذور الوطء فكيف تخفف عنه العقوبة بضم محذور العقد إلى محذور الزنى؟. وأما وطء الميتة ففيه قولان للفقهاء وهما في مذهب أحمد وغيره: أحدهما لا حد فيه، والثاني يحد.
وأما وطء البهيمة فللفقهاء فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يؤدب ولا حد عليه وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه وهو قول إسحق. والقول الثاني: أن حكمه حكم الزاني يجلد أن كان بكرا ويرجم أن كان محصنا وهذا قول الحسن. والقول الثالث: أن حكمه حكم اللوطي نص عليه أحمد ويخرج على الروايتين في حده هل هو القتل حتما أو هو كالزاني؟ والذين قالوا"حده القتل"احتجوا بما رواه أبو داود من حديث ابن عباس
قال ﷺ: «من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه»
. قالوا: ولأنه وطء لا يباح بحال فكان فيه القتل حدا للوطي. ومن لم يرد عليه الحد قالوا: لم يصح فيه الحديث ولو صح لقلنا به ولم يحل لنا مخالفته. قال إسمعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد عن الذي يأتي البهيمة فوقف عندها ولم يثبت حديث عمرو بن أبي عمرو في ذلك. وقال الطحاوي: الحديث ضعيف وأيضا فرواية ابن عباس وقد أفتى بأنه لا حد عليه قال أبو داود: وهذا يضعف الحديث. ولا ريب أن الزاجر الطبعي عن إتيان البهيمة أقوى من الزاجر الطبعي عن التلوط وليس الأمران في طباع الناس سواء فإلحاق أحدهما بالآخر من أفسد القياس كما تقدم.
وأما قياسكم وطء الرجل لمثله على سحاق المرأتين فمن أفسد القياس إذ لا إيلاج هناك وإنما نظير مباشرة الرجل الرجل من غير إيلاج على أنه قد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة"إذا أتت المرأة المرأة فهم زانيتان"ولكن لا يجب الحد بذلك لعدم الإيلاج وإن أطلق عليهما اسم الزنى العام كزنى العين واليد والرجل والفم. وإذا ثبت هذا: فاجمع المسلمون على أن حكم التلوط مع المملوك كحكمه مع غيره ومن ظن أن تلوط الإنسان مع مملوكه جائز واحتج على ذلك بقوله تعالى
إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
وقاس ذلك على أمته المملوكة فهو كافر يستتاب كما يستتاب المرتد فإن تاب وإلاّ ضرب عنقه وتلوط الإنسان بمملوكه كتلوطه بمملوك غيره في الإثم والحكم
فإن قيل: مع هذا كله فهل من دواء لهذا الداء العضال؟ ورقية لهذا السحر القتال؟ وما الاحتيال لدفع هذا الخيال؟ وهل من طريق قاصد إلى التوفيق؟ وهل يمكن السكران بخمرة الهوى أن يفيق؟ وهل يملك العاشق قلبه والعشق قد وصل إلى سويدائه؟ وهل للطبيب بعد ذلك حيلة في برئه من سويداه؟ إن لامه لائم التذ بملامه لذكره لمحبوبه وان عذله عذل أغراه عذله وسار به في طريق مطلوبه ينادي عليه شاهد حاله بلسان مقاله:
ولعل هذا هو المقصود بالسؤال الأول الذي وقع عليه الاستفتاء عليه والداء الذي طلب له الدواء. قيل: نعم الجواب من أصله و"ما أنزل الله سبحانه من داء إلاّ وأنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهلة". والكلام في دواء داء تعلق القلب بالمحبة الهوائية من طريقين: أحدهما: جسم مادته قبل حصولها. والثاني: قلعها بعد نزولها وكلاهما يسير على من يسره الله عليه ومتعذر على من لم يعنه الله فان أزمة الأمور بيديه. وأما الطريق المانع من حصول هذا الداء فأمران: أحدهما: غض البصر كما تقدم فان النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ومن أطلق لحظاته دامت حسراته وفي غض البصر عدة منافع: أحدها: أنه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده وليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك وتعالى وما سعد من سعد في الدنيا والآخرة إلاّ بامتثال أوامره وما شقي من شقي في الدنيا والآخرة إلاّ بتضييع أوامره. الثاني: أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم -الذي لعل فيه هلاكه- إلى قلبه. الثالث: أنه يورث القلب أنسا بالله وجمعية على الله فان إطلاق البصر يفرق القلب ويشتته ويبعده من الله وليس على العبد شيء أضر من إطلاق البصر فإنه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه.
الخامس: أنه يكسب القلب نورا كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقب الأمر بغض البصر فقال
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ
ثم قال: إثر ذلك
اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ
أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل جانب كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان فما شئت من بدعة وضلالة واتباع هوى واجتناب هدى وإعراض عن أسباب السعادة واشتغال بأسباب الشقاوة فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب فإذا فقد ذلك النور بقى صاحبه كالأعمى الذي يجوس في حنادس الظلام. السادس: أنه يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والباطل والصادق والكاذب وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول: من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات واعتاد أكل الحلال لم تخط له فراسة وكان شجاع هذا لا تخطي له فراسة. والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله ومن ترك شيئا عوضه عن حبسه بصره لله ويفتح له باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال ببصيرة القلب وضد هذا ما وصف الله به اللوطيين من العمه الذي هو ضد البصيرة فقال تعالى:
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل والعمه الذي هو فساد البصيرة فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل وعمه البصيرة يسكر القلب كما قال القائل:
السابع: إنه يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة ويجمع الله له بين سلطان النصرة والحجة وسلطان القدرة والقوة كما في الأثر"الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله"وضد هذا تجده في المتبع هواه -من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها- وما جعله الله سبحانه فيمن عصاه كما قال: الحسن"إنهم وان طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية لا تفارق رقابهم أبي الله إلاّ أن يذل من عصاه"وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته والذل قرين معصيته فقال تعالى:
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وقال تعالى:
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
والإيمان قول وعمل ظاهر وباطن وقال تعالى:
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
أي من كان يريد العزة فيطلبها بطاعة الله وذكره من الكلم الطيب والعمل الصالح وفي دعاء القنوت"إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت"ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه وله من العز بحسب طاعته ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه وله من الذل بحسب معصيته.
الثامن: أنه يسد على الشيطان القلب فإنه يدخل مع النظرة وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهوى في المكان الخالي فيمثل له صورة المعشوق في قلبه.
التاسع: أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها وإطلاق البصر يشتت عليه ذلك ويحول عليه بينه وبينها فتنفرط عليه أموره ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه قال تعالى:
لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً
وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحبسه. العاشر: أن بين العين والقلب منفذا أو طريقا يوجب اشتغال أحدهما عن الآخر وإن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده فإذا فسد القلب فسد النظر وإذا فسد النظر فسد القلب وكذلك في جانب الصلاح فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ فلا يصلح لسكني معرفة الله ومحبته والإنابة إليه والأنس به والسرور بقربه فيه وإنما يسكن فيه أضداد ذلك. الطريق الثاني:المانع من حصول تعلق القلب: اشتغال القلب بما يصده عن ذلك ويحول بينه وبين الوقوع فيه وهو إما خوف مقلق أو حب مزعج
وشرح هذا: أن النفس لا تترك محبوبا إلاّ لمحبوب أعلى منه أو خشية مكروه حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب وهذا يحتاج صاحبه إلى أمرين إن فقدهما أو حدهما لم ينتفع بنفسه. أحدهما: بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب والمكروه فيؤثر أعلى المحبوبين على أدناهما ويحتمل أدنى المكروهين لتخلص من أعلاهما وهذا خاصة العقل ولا يعد عاقلا من كان بضد ذلك بل قد تكون البهائم أحسن حالا منه. الثاني: قوة عزم وصبر يتمكن بهما من هذا الفعل والترك فكثير ما يعرف الرجل قدر التفاوت ولكن يأبي له ضعف نفسه وهمته وعزيمته على أشياء الأنفع من خسته وحرصه ووضاعة نفسه وخسة همته ومثل هذا لا ينتفع بنفسه ولا ينتفع به غيره وقد منع الله سبحانه إمامة الدين إلاّ من أهل الصبر واليقين فقال تعالى: وبقوله يهتدي المهتدون منهم:
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ
وهذا هو الذي ينتفع بعلمه وينتفع به غيره من الناس وضد ذلك لا ينتفع بعلمه ولا ينتفع به غيره ومن الناس من ينتفع بعلمه في نفسه ولا ينتفع به غيره فالأول يمشي في نوره ويمشي الناس في نوره والثاني قد طفئ نوره فهو يمشي في الظلمات ومن تبعه والثالث يمشي في نوره وحده.
إذا عرفت هذه المقدمة فلا يمكن أن يجتمع في القلب حب المحبوب الأعلى وعشق الصور أبدا بل هما ضدان لا يجتمعان. بل لا بد أن يخرج أحدهما صاحبه فمن كانت قوة حبه كلها للمحبوب الأعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب على صاحبها صرفه ذلك عن محبة ما سواه وإن أحبه لن يحبه إلاّ لأجله أو لكونه وسيلة له إلى محبته أو قاطعا له عما يضاد محبته وينقصها والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب وأن لا يشرك بينه وبين غيره في محبته وإذا كان المحبوب من الخلق يأنف ويغار أن يشرك في محبته غيره ويمقته لذلك ويبعده ولا يحظيه بقربه ويعده كاذبا في دعوي محبته مع أنه ليس أهلا لصرف قوة المحبة إليه فكيف بالحبيب الأعلى الذي لا تنبغي المحبة إلاّ له وحده وكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها ووبال؟ ولهذا لا يغفر سبحانه أن يشرك به في هذه المحبة ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فمحبة الصور تفوت محبة ما هو أنفع للعبد منها بل يفوت محبة ما ليس له صلاح ولا نعيم ولا حياة نافعة إلاّ بمحبته وحده فليختر إحدى المحبتين فإنهما لا يجتمعان في القلب ولا يرتفعان منه بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه إبتلاه بمحبة غيره فيعذب به في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة إما بمحبة الأوثان أو محبته الصلبان أو بمحبة النيران أو بمحبة المردان أو بمحبة النسوان أو بمحبة الأثمان أو بمحبة العشراء والخلان أو بمحبة ما هو دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان فالإنسان عبد محبوبه كائنا ما كان كما قيل:
فمن لم يكن إلهه مالكه ومولاه كان إلهه هواه قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}
وخاصية التعبد: الحب مع الخضوع والذل للمحبوب فمن أحب شيئا وخضع له فقد تعبد قلبه له بل التعبد آخر مراتب الحب ويقال له التتيم أيضا فإن أول مراتبه العلاقة وسميت علاقة لتعلق الحب بالمحبوب قال الشاعر:
وقال الآخر:
ثم بعدها الصبابة وسميت بذلك لانصباب القلب إلي المحبوب قال الشاعر:
ثم الغرام وهو لزوم الحب للقلب لزوما لا ينفك عنه ومنه سمى الغريم غريماً لملازمته صاحبه ومنه قوله تعالي:
إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً
وقد أولع المتأخرون باستعمال هذا اللفظ في الحب وقل أن تجده في أشعار العرب ثم العشق وهو سفر إفراط المحبة ولهذا لا يوصف به الرب تبارك وتعالي ولا يطلق في حقه ثم الشوق وهو سفر القلب إلي المحبوب أحث السفر وقد جاء إطلاقها في حق الرب تعالى كما في مسند الإمام أحمد من حديث عمار بن ياسر
فتضمن هذا الحديث الشريف الإلهي- الذي حرام علي غليظ الطبع كثيف القلب فهم معناه والمراد به- حصر أسباب محبته في أمرين: أداء فرائضه والتقرب إليه بالنوافل. وأخبر سبحانه إن أداء فرائضه أحب مما يتقرب إليه المتقربون ثم بعدها النوافل وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير محبوبا لله فإذا صار محبوبا لله أوجبت محبة الله له محبة منه أخرى فوق المحبة الأولى فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه وملكت عليه روحه ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه البتة فصار ذكر محبوبه وحبه مثله الأعلى مالكا لزمام قلبه مستوليا علي روحه استيلاء المحبوب علي محبه الصادق في محبته التي قد اجتمعت قوى حبه كلها له. ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع لمحبوبه وإن أبصر أبصر به وإن بطش بطش به وإن مشي مشي به فهو في قلبه ومعه ومؤنسه وصاحبه
وإذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق التي لم يخلق لها ولم يفطر عليها كما قال بعض المحبين:
وقال الآخر:
وهذا ألطف من قول الآخر:
فليس شيء أدنى من المحب لمحبوبه وربما تمكنت المحبة حتى يصير في المحبة أدنى إليه من نفسه بحيث ينسي نفسه ولا ينساه كما قال:
وقال الآخر:
وخص في الحديث السمع والبصر واليد والرجل بالذكر فإن هذه الآلات آلات الإدراك وآلات الفعل والسمع والبصر يوردان علي القلب الإرادة والكراهة ويجلبان إليه الحب والبغض فتستعمل اليد والرجل فإذا كان سمع العبد بالله وبصره به كان محفوظا في آلات إدراكه فكان محفوظا في حبه وبغضه فحفظ في بطشه ومشيه.
وأيضا فانفعال اللسان عن القلب أتم من انفعال سائر الجوارح فإنه ترجمانه ورسوله. وتأمل كيف حقق تعالى كون العبد به عند سمعه وبصره الذي يبصر به وبطشه ومشيه بقوله"كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها. ورجله التي يمشي بها"تحقيقا لكونه مع عبده وكون عبده في إدراكاته بسمعه وبصره وحركته بيديه ورجله. وتأمل كيف قال:"بي يسمع وبي يبصر وبي يبطش"ولم يقل: فلي يسمع ولي يبصر ولي يبطش وربما يظن الظان إن اللام أولي بهذا الموضع إذ هي أدل علي الغاية ووقوع هذه الأمور لله وذلك أخص من وقوعها به وهذا من الوهم والغلط إذ ليست الباء هاهنا أنزل الاستعانة فإن حركات الأبرار والفجار وإدراكاتهم إنما هي بمعونة الله لهم وأن الباء هاهنا للمصاحبة إنما يسمع ويبصر ويبطش ويمشى وأنا صاحبه ومعه كقوله في الحديث الآخر"أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه"وهذه المعية هي المعية الخاصة المذكورة في قوله تعالي
لا تَحْزَنْ إن اللَّهَ مَعَنَا
وقول رسول الله صلي الله عليه وسلم"ما ظنك باثنين الله ثالثهما"وقوله تعالى
وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
وقوله
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
وقوله
وَاصْبِرُوا إن اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
وقوله
قَالَ كَلا إن مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ
وقوله تعالى لموسى وهارون
إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى
فمتى كان العبد بالله هانت عليه المشاق وانقلبت المخاوف في حقه أمانا فبالله يهون كل صعب ويسهل كل عسير ويقرب كل بعيد وبالله تزول الأحزان والهموم والغموم: فلا هم مع الله ولا غم مع الله ولا حزن مع الله وحيث يفوت العبد معني هذه الباء فيصير قلبه حينئذ كالحوت إذا فارق الماء يثب وينقلب حتى يعود إليه. ولما حصلت هذه الموافقة من العبد لربه تعالى في محابه حصلت موافقة الرب لعبده في حوائجه ومطالبه فقال"ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه"أي كما وافقني في مرادي بامتثال أوامري والتقرب إلى بمحابي فإنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني إن أفعل به ويستعيذني إن يناله مكروه وحقق هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى ذلك تردد الرب سبحانه في إماتة عبده ولأنه يكره الموت والرب تعالى يكره ما يكره عبده ويكره مساءته فمن هذه الجهة تقتضى أنه لا يميته ولكن مصلحته في إماتته فإنه ما أماته إلاّ ليحييه وما أمرضه إلاّ ليصحه وما أفقره إلاّ ليغنيه وما منعه إلاّ ليعطيه ولم يخرج من الجنة في صلب أبيه إلاّ ليعيده إليها علي أحسن الأحوال ولم يقل لأبيه"أخرج منها"إلاّ ليعيده إليها فهذا هو الحبيب علي الحقيقة لا سواه بل لو كان في كل منبت شعرة لعبد محبة تامة لله لكان بعض ما يستحقه على عبده.
ثم التتيم وهو آخر مراتب الحب وهو تعبد المحب لمحبوبه يقال: تيمه الحب إذا عبده وذلله.
وقد ذكر الله سبحانه أكرم الخلق عليه وأحبهم إليه وهو رسوله محمد صلي الله عليه وسلم بالعبودية في أشرف مقاماته وهي مقام الدعوة إليه ومقام التحدي بالنبوة ومقام الإسراء فقال سبحانه
وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً
وقال
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلي عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ
وقال
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى
وفي حديث الشفاعة"اذهبوا إلى محمد صلي الله عليه وسلم عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"فنال مقام الشفاعة بكمال عبوديته وكمال مغفرة الله له والله سبحانه خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له التي هي أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع الخضوع والذل وهذا هو حقيقة الإسلام وملة إبراهيم التي من رغب عنها فقد سفه نفسه قال تعالي:
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إن اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
الآية ولهذا كان أعظم الذنوب عند الله هو الشرك بالله لا يغفر إن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وأصل الشرك بالله إلاّ إشراك مع الله في المحبة كما قال تعالي: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ}
ولما كان مراد الله من خلقه هو خلوص هذه المحبة له أنكر على من اتخذ من دونه وليا أو شفيعا غاية الإنكار وجمع ذلك تارة وأقر واحدهما عن الآخر تارة بالإنكار فقال تعالي:
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلي الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ
وقال تعالي: الله
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلي الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ
وقال تعالي:
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ إن يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
وقال في الإفراد
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً
وقال تعالي:
مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
. فإذا والى العبد ربه وحده وأقام له الشفعاء وعقد الموالاة بينه وبين عباده المؤمنين فصاروا أولياءه في الله بخلاف من اتخذ مخلوقا ولياً من دون الله. فهذا لون وذاك لون والشفاعة الشركية الباطلة لون والشفاعة الحق التي إذن الله فيها ورضيها لون.
والمقصود: إن حقيقة العبودية وموجباته لا تخلص مع الإشراك بالله في المحبة بخلاف المحبة لله فإنها من لوازم العبودية وموجباتها فإن محبة -رسول الله صلي الله عليه وسلم بل تقديمه في الحب علي الأنفس وعلي الآباء والأبناء- لا يتم الإيمان إلاّ بها إذ محبته من محبة الله وكذلك كل حب في الله ولله كما في الصحيحين عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال:"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان". وفي لفظ في الصحيح"لا يجد عبد طعم الإيمان إلاّ من كان في قلبه ثلاث خصال-: إن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرأ لا يحبه إلاّ الله وأن يكره إن يرجع إلى الكفر بعد اذ أنقذه الله منه كما يكره إن يقذف في النار". وفي الحديث الذي في السنن"من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان". وفي حديث آخر"ما تحاب رجلان في الله إلاّ كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه". فإن هذه المحبة من لوازم محبة الله وموجباتها وكل ما كانت أقوى كان أصلها كذلك.
وهاهنا أربعة أنواع من الحب يجب التفريق بينهما وإنما ضل من ضل بعدم التمييز بينهما. أحدها: محبة الله ولا تكفي وحدها في النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله. الثاني: محبة ما يحب الله وهذه هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم فيها.
الرابع: المحبة مع الله وهي المحبة الشركية وكل من أحب شيئا مع الله لا لله ولا من أجله ولا فيه فقد اتخذه ندا من دون الله وهذه محبة المشركين وبقى قسم خامس ليس مما نحن فيه وهي المحبة الطبيعية وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه كمحبة العطشان للماء والجائع للطعام ومحبة النوم والزوجة والولد فتلك لا تذم إلاّ إذا ألهت عن ذكر الله وشغلته عن محبته كما قال تعالي:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
وقال تعالي:
رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
ثم الخلة وهي تتضمن كمال المحبة ونهايتها بحيث لا يبقى في القلب لمحبه سعة لغير محبوبه وهي منصب المشاركة بوجه ما وهذا المنصب خاصة للخليلين صلوات الله وسلامه عليهما: إبراهيم ومحمد كما قال: صلي الله عليه وسلم"إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا". وفي الصحيح عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال:"لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله". وفي حديث آخر"أني أبرىء إلى كل خليل من خلته" ولما سأل إبراهيم عليه السلام الولد فأعطيه فتعلق حبه بقلبه فاخذ منه شعبه غار الحبيب علي خليله إن يكون في قلبه موضع لغيره فأمره بذبحه ليخرج مزاحم الخلة من قلبه.
وأما ما يظنه بعض الغالطين إن المحبة أكمل من الخلة وأن إبراهيم خليل الله ومحمد صلي الله عليه وسلم حبيب الله فمن جهله فإن المحبة عامة والخلة خاصة والخلة نهاية المحبة وقد أخبر النبي صلي الله عليه وسلم إن الله اتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ونفى إن يكون له خليل غير ربه مع إخباره لحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم. وأيضا فإن الله سبحانه
يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
ويحب الصابرين ويحب المحسنين ويحب المتقين ويحب المقسطين وخلته خاصة بالخليلين عليهما الصلاة والسلام والشاب التائب حبيب الله وإنما هذا عن قلة العلم والفهم عن الله ورسوله صلي الله عليه وسلم.
قد تقدم إن العبد لا يترك ما يحب ويهواه إلاّ لما هو أحب إليه ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة.
وتقدم إن خاصية العقل إيثار أعلى المحبوبين علي أدناهما وأيسر المكروهين علي أقواهما وتقدم إن هذا من الكمال قوة الحب والبغض. ولا يتم له هذا إلاّ بأمرين قوة الإدراك وشجاعة القلب فإن التخلف عن ذلك والعمل بخلافه يكون إما بضعف الإدراك بحيث أنه لم يدرك مراتب المحبوب والمكروه على ما كان عليه إما لضعف في النفس وعجز في القلب بحيث لا يطاوعه الإيثار الأصلح له مع علمه بأنه الأصلح فإذا قوي إدراكه وقويت نفسه وتشجع قلبه علي إيثار المحبوب الأعلى والمكروه الأدنى فقد وفق لأسباب السعادة. فمن الناس من يكون سلطان شهوته أقوي من سلطان عقله وإيمانه فيقهر الغالب الضعيف ومنهم من يكون سلطان إيمانه وعقله أقوى من سلطان شهوته وإذا كان كثير من المرضى يحميه الطبيب عما يضره فتأبى عليه نفسه وشهوته إلاّ تناوله ويقدم شهوته علي عقله وتسميه الأطباء: عديم المروءة فهكذا أكثر مرضى القلب يؤثرون ما يزيد مرضهم لقوة شهوتهم له. فأصل الشر من ضعف الإدراك وضعف النفس ودناءتها وأصل الخير من كمال الإدراك وقوة النفس وشرفها وشجاعتها. فالحب والإرادة أصل كل فعل ومبدأه والبغض والكراهة أصل كل ترك ومبدأه وهاتان القوتان في القلب أصل سعادته وشقاوته. ووجود الفعل الاختياري لا يكون إلاّ بوجود سببه من الحب والإرادة. وأما عدم الفعل فتارة يكون لعدم مقتضاه وسببه وتارة يكون لوجود البغض والكراهة المانع منه وهذا متعلق الأمر والنهى وهو الذي يسمى الكف والترك.
وكل واحد من الفعل والترك الاختياريين فإنما يؤثر الحي لما فيه من الحصول والمنفعة التي يلتذ بحصولها أو زوال الألم الذي يحصل له الشفاء بزواله ولهذا يقال شفاء صدره وشفاء قلبه قال:
وهذا مطلوب يؤثره العاقل حتى الحيوان البهيم ولكن يغلط فيه أكثر الناس غلطا قبيحا فيقصد حصول اللذة بما يعقب عليه أعظم الألم فيؤلم نفسه من حيث يظن أنه يحصل لذتها ويشفى قلبه بما يعقب عليه غاية المرض وهذا شأن من قصر نظره علي العاجل ولم يلاحظ العواقب وخاصة العقل النظر في العواقب فأعقل الناس من أثر لذة نفسه وراحته في الآجلة الدائمة علي العاجلة المنقضية الزائلة وأسفه الخلق من باع نعيم الأبد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي لا تنغيص فيها ولا نقص بوجه ما بلذة منقضية مشوبة بالآلام والمخاوف وهي سريعة الزوال وشيكة الانقضاء. قال بعض العلماء: فكرت في سعي العقلاء فرأيت سعيهم كلهم في مطلوب واحد وإن اختلفت طرقهم في تحصيله رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم فهذا في الأكل والشرب وهذا في التجارة والكسب وهذا بالنكاح وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة وهذا باللهو واللعب فقلت: هذا المطلوب مطلوب العقلاء ولكن الطرق كلها غير موصلة إليه بل طرقها كلها مسدودة إلا طريقاً واحداً.
والمحبوب قسمان: محبوب لنفسه ومحبوب لغيره ولا بد إن ينتهي إلى المحبوب لنفسه دفعا للتسلسل المحال وكل ما سوى المحبوب الحق فهو محبوب لغيره وليس شيء يحب لذاته لنفسه إلاّ الله وحده وكل ما سواه مما يحب فإنما محبته تبعا لمحبة الرب تبارك وتعالي كمحبة ملائكته وأنبيائه وأوليائه فإنها تبع لمحبته سبحانه وهي من لوازم محبته فإن محبة المحبوب توجب محبة ما يحبه وهذا موضع يجب الاعتناء به فإنه محل فرقان بين المحبة النافعة لغيره والتي لا تنفع بل قد تضر. فاعلم أنه لا يحبه لذاته إلاّ من كماله من لوازم ذاته وإلهيته وربوبيته وغناه من لوازم ذاته وما سواه فإنما يبغض ويكره لمنافاته محابه ومضادته لها وبغضه وكراهته بحسب قوة هذه المنافاة وضعفها فما كان أشد منافاة لمحابه كان أشد كراهة من الأعيان والأوصاف والأفعال والإرادات وغيرها فهذا ميزان عادل يوزن به موافقة الرب ومخالفته وموالاته ومعاداته فإذا رأينا شخصا يحب ما يكرهه الرب تعالى ويكره ما يحبه علمنا إن فيه من معاداته بحسب ذلك وإذا رأينا الشخص يحب ما يحبه الرب ويكره ما يكرهه وكلما كان الشيء أحب إلى الرب كان أحب إليه وأثره عنده وكلما كان أبغض إليه كان أبعد منه وأمقته عنده.
والمحبوب لغيره قسمان أيضا: أحدهما ما يلتذ المحب بإدراكه وحصوله والثاني: ما يتألم به ولكن يحتمله لإفضائه إلى المحبوب كشرب الدواء الكريه قال تعالي:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى إن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى إن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
. فأخبر سبحانه إن القتال مكروه لهم مع إنهم خير لهم لإفضائه إلى أعظم محبوب وأنفعه والنفوس تحب الراحة والدعة والرفاهية وذلك شر لها لإفضائه إلى فوات هذا المحبوب فالعاقل لا ينظر إلى لذة المحبوب العاجل فيؤثرها وألم المكروه العاجل فيرغب عنه فإن ذلك قد يكون شرا له بل قد يجلب عليه غاية الألم وتفوته أعظم اللذة بل عقلاء الدنيا يتحملون المشاق المكروهة لما يعقبهم من اللذة بعدها وإن كانت منقطعة. فالأمور أربعة: مكروه يوصل إلى مكروه ومكروه يوصل إلى محبوب ومحبوب يوصل إلى محبوب ومحبوب يوصل إلى مكروه فالمحبوب الموصل إلى المحبوب قد اجتمع فيه داعي الفعل من وجهين والمكروه الموصل إلى مكروه قد اجتمع فيه داعي الترك من وجهين. بقي القسمان الآخران يتجاوز بهما الداعيان- وهما معترك الابتلاء والامتحان- فالنفس توثر أقربهما جوارا منهما وهو العاجل والعقل والإيمان يؤثرا نفعهما وإبقائها والقلب بين الداعيين وهو إلى هذا مرة إلى هذا مرة وهاهنا يظهر تفاوت العقول.
وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله كما إن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله وكل إرادة تمنع كمال حب الله ورسوله وتزاحم هذه المحبة وشبهه منع كمال التصديق في معارضة لأصل الإيمان أو مضعفة له فإن قويت حتى عارضت أصلي الحب والتصديق كانت كفرا وشركا أكبر وإن لم تعارضه قدحت في كماله وأثرت فيه ضعفا وفتورا في العزيمة والطلب وهي تحجب الواصل وتقطع الطالب وتنكي الراغب فلا تصلح الموالاة إلاّ بالمعاداة كما قال تعالي: عن إمام الحنفاء المحبين انه قال لقومه
قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فإنهمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ
فلم يصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلاّ بتحقيق هذه المعاداة فإنه لا ولائه إلاّ لله ولا ولائه إلاّ بالبراءة من كل معبود سواه قال تعالي:
قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ
وقال تعالي:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فإنه سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
وروح هذه الكلمة وسرها: إفراد الرب جل ثناؤه وتقدست أسماؤه وتبارك اسمه وتعالي جده ولا إله غيره. بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء وتوابع ذلك: من التوكل والإنابة والرغبة والرهبة فلا يحب سواه بل كان ما كان يحب غيره فإنما هو تبعا لمحبته وكونه وسيلة إلى زيادة محبته ولا يخاف سواه ولا يرجي سواه ولا يتوكل إلاّ عليه ولا يرغب إلاّ إليه ولا يرهب إلاّ منه ولا يحلف إلاّ باسمه ولا ينذر إلاّ له ولا يتاب إلاّ إليه ولا يطاع إلاّ أمره ولا يحتسب إلاّ به ولا يستغاث في الشدائد إلاّ به ولا يلتجئ إلاّ إليه ولا يسجد إلاّ له ولا يذبح إلاّ له وباسمه يجتمع ذلك في حرف واحد وهو: إن لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة هذا هو تحقيق شهادة إن لا إله إلاّ الله ولهذا حرم الله على النار من شهد إن لا إله إلاّ الله حقيقة الشهادة ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بقلبه حقيقتها.
قال النبي صلي الله عليه وسلم:"إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا: وما رياض الجنة؟ وقال: حلق الذكر". ومن هذا قوله صلي الله عليه وسلم"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة". ومن هذا قوله -وقد سألوه عن وصاله في الصوم- وقال: إني لست كهيئتكم إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني"فأخبر صلي الله عليه وسلم إن ما يحصل له من الغذاء عند ربه يقوم مقام الطعام والشراب الحسي وإن ما يحصل له من ذلك أمر مختصا به لا يشركه فيه غيره فإذا أمسك عن الطعام والشراب فله عوض عنه يقوم مقامه وينوب منابه ويغنى عنه كما قيل:
وكل ما كان وجود الشيء أنفع للعبد وهو إليه أحوج كان تألمه بفقده أشد وكل ما كان عدمه أنفع كان تألمه بوجوده أشد ولا شيء علي الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله واشتغاله بذكره وتنعمه بحبه وإيثاره لمرضاته بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور ولا بهجة إلاّ بذلك فعدمه آلم شيء له وأشد عذابا عليه وإنما تغيب الروح عن شهود هذا الألم والعذاب لاشتغالها بغيره واستغراقها في ذلك الغير فتغيب به عن شهود ما هي فيه من ألم الفوات بفراق أحب شيء إليه.
فأعرض علي نفسك"الآن"أعظم محبوب لك في الدنيا بحيث لا تطيب لك الحياة إلاّ معه فأصبحت وقد أخذ منك وحيل بينك وبينه أحوج ما كنت إليه كيف يكون حالك؟ هذا ومنه كل عوض فكيف بمن لا عوض عنه كما قيل:
وفي أثر إلهي"ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب ابن آدم أطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء".