فصل 1

ولما كانت المحبة جنسا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف كان أغلب ما يذكر فيها في حق الله تعالى ما يختص به ويليق به من أنواعها وما لا تصلح

💎 وأعظم أنواعها المحمودة محبة الله وحده وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها التي لا ينجو أحد من العذاب إلاّ بها والمحبة المذمومة الشركية هي أصل الشقاوة ورأسها التي لا يبقى في العذاب إلاّ أهلها

فأهل المحبة الذين أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له لا يدخلون النار من دخلها منهم بذنوبه فإنه لا يبقى فيها منهم أحد. ومدار القرآن علي الأمر بتلك المحبة ولوازمها والنهى عن المحبة الأخرى ولوازمها وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين وذكر قصص النوعين وتفصيل أعمال النوعين وأوليائهم ومعبود كل منهما واخباره عن فعله للنوعين وعن حال النوعين في الدور الثلاثة: دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار والقرآن يقص شأن النوعين. وأصل دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم: إنما هو عبادة الله وحده لا شريك له المتضمنة لكمال حبه وكمال الخضوع والذل له والإجلال والتعظيم ولوازم ذلك من الطاعة والتقوى. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".

ومحبة الرب تعالى تختص عن محبة غيره في قدرها وصفتها وإفراده سبحانه بها فإن الواجب له من ذلك كله إن يكون إلى العبد أحب إليه من ولده ووالده بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه فيكون إلهه الحق ومعبوده أحب إليه من ذلك كله والشيء قد يحب من وجه دون وجه وقد يحب بغيره وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلاّ الله وحده ولا تصلح الألوهية إلاّ له

لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا

والتأله: هو المحبة والطاعة والخضوع.

فصل 2

وكل حركة في العالم العلوي والسفلي فأصلها المحبة فهي علتها الفاعلية والغائية وذلك لأن الحركات ثلاثة أنواع: حركة اختيارية إرادية وحركة طبيعية وحركة قسرية. فالحركة الطبيعية أصلها السكون وإنما يتحرك الجسم إذا خرج عن مستقره ومركزه الطبيعي فهو يتحرك للعود إليه وخروجه عن مركزه ومستقرة وإنما يتحرك بتحرك القاسر المحرك له فله حركة قسرية تتحرك بتحريك محركه وقاسره وحركة طبيعية بذاتها تطلب بها العود إلى مركزه وكلا حركتيه تابعة

والحركة الاختيارية الإرادية هي أصل الحركتين الأخريين وهي تابعة للإرادة والمحبة. والدليل على انحصار فصارت الحركات الثلاث: تابعة للمحبة والإرادة يشير إلى انحصار الحركات في هذه الثلاث إن المتحرك إن كان له الشعور الجزئي فهي الإرادية وان لم يكن له شعور بها فإما أن يكون على وفق طبيعته الأولى فالأولى هي الطبيعية والثانية هي القسرية إذا فهمت هذا فما في السموات والأرض وما بينهما من حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والمطر والنبات وحركات الأجنة في بطون أمهاتها فإنما هي بواسطة الملائكة المدبرات أمرا والمقسمات أمرا كما دلت عليه نصوص القرآن والسنة في غير موضع والإيمان بذلك من تمام الإيمان بالملائكة: فإن الله وكل بالرحم ملائكة وبالقطر ملائكة وبالنبات ملائكة وبالرياح ملائكة وبالأفلاك والشمس والقمر والنجوم ووكل بكل عبد أربعة من الملائكة كاتبين على يمينه وعلى شماله وحافظين من بين يديه ومن خلفه ووكل ملائكة بقبض روحه وتجهيزها إلى مستقرها من الجنة والنار وملائكة بمسألته وامتحانه في قبره وعذابه هناك أو نعيمه وملائكة تسوقه إلى المحشر إذا قام من قبره وملائكة بتعذيبه في النار أو نعيمه في الجنة ووكل بالجبال ملائكة وبالسحاب ملائكة تسوقه إلى حيث أمرت به وملائكة بالقطر تنزله بأمر الله بقدر معلوم كما شاء الله ووكل ملائكة بغرس الجنة وعمل آلاتها وفرشها وثيابها والقيام عليها وملائكة بالنار كذلك فأعظم جند الله الملائكة ولفظ"الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر فليس لهم من الأمر شيء بل الأمر كله لله وهم يدبرون الأمر ويقسمونه بإذن الله وأمره قال تعالي: إخبارا عنهم

وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً

وقال: {فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً} وقال {وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً} وقال {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}.

وإذا عرف ذلك فجميع تلك المحبات والحركات والإرادات والأفعال هي عباداتهم لرب الأرض والسموات وجميع الحركات الطبيعية والقسرية تابعة لها: فلولا الحب ما دارت الأفلاك ولا تحركت الكواكب النيرات ولا هبت الرياح المسخرات ولا مرت السحاب الحاملات ولا تحركت الأجنة في بطون الأمهات ولا انصدع عن الحب أنواع النبات ولا اضطربت أمواج البحار الزاجرات ولا تحركت المدبرات والمقسمات ولا سبحت بحمد فاطرها الأراضون والسموات وما فيها من أنواع المخلوقات فسبحان من

تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً

.

فصل 3

فإذا عرف ذلك فكل حي له إرادة ومحبة وعمل بحسنه وكل متحرك فأصل حركته المحبة والإرادة ولا صلاح للموجودات إلاّ بان تكون حركاتها ومحبتها لفاطرها وباريها وحده كما لا وجود لها إلاّ بإبداعه وحده.

وأصل فساد العالم إنما هو من فساد اختلاف الملوك والخلفاء ولهذا لم يطمع أعداء الإسلام فيهم في زمن من الأزمنة إلاّ في زمن تعدد الملوك من المسلمين واختلافهم وانفراد كل واحد منهم ببلاد وطلب بعضهم العلو على بعض فصلاح السموات والأرض واستقامتهما وانتظام أمر المخلوقات على أتم نظام ومن أظهر الأدلة على أنه لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير وأن كل معبود من لدن عرشه إلى قرار أرضه باطل إلاّ وجهها الأعلى قال الله تعالى:

مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلي بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ

وقال تعالى:

أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ

قال شيخنا: والصحيح إن المعنى لابتغوا إليه سبيلا بالتقرب إليه وطاعته فكيف تعبدونهم من دونه؟ وهم لو كانوا آلهة كما يقولون لكانوا عبيدا له قال: ويدل على هذا وجوه: منها: قوله تعالى

أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ

أي هؤلاء الذين يعبدونهم من دوني هم عبادي كما أنتم عبادي ويرجون رحمتي ويخافون عذابي فلماذا تعبدونهم من دوني؟. الثاني: أنه سبحانه لم يقل لابتغوا إليه سبيلا. بل قال:

لابْتَغَوْا إلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً

وهذا اللفظ إنما يستعمل في القرب كقوله تعالى

اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إليه الْوَسِيلَةَ

وأما في المغالبة فإنما يستعمل بعلى كقوله

فإن أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً

. الثالث: أنهم لم يقولوا إن آلهتهم تغالبه وتطلب العلو عليه وهو سبحانه قال:

قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ

وهم إنما كانوا يقولون إن آلهتهم تبتغي التقرب إليه وتقربهم زلفى إليه قال تعالى: لو كان الأمر كما تقولون لكانت تلك الآلهة عبيدا له فلماذا تعبدون عبيده من دونه؟

فصل 4

والمحبة لها آثار وتوابع ولوازم وأحكام سواء كانت محمودة أو مذمومة

والمحبة المحمودة هي المحبة النافعة التي تجلب لصاحبها ما ينفعه في دنياه وآخرته وهذه المحبة هي عنوان السعادة وضدها هي التي تجلب لصاحبها ما يضره في دنياه وآخرته وهي عنوان الشقاوة. ومعلوم إن الحي العاقل لا يختار محبة ما يضره ويشقيه وإنما يصدر ذلك عن جهله وظلمه فإن النفس قد تهوي ما يضرها ولا ينفعها وذلك ظلم من الإنسان لنفسه إما إن تكون النفس جاهلة بحال محبوبها بأن تهوي الشيء وتحبه غير عالمة بما في محبته من المضرة وهذا حال من اتبع هواه بغير علم وأما عالمة بما في محبته من الضرر لكن يؤثر هواها على علمها وقد تتركب محبتها من أمرين: من اعتقاد فاسد وهوي مذموم وهذا حال من اتبع الظن وما تهوي الأنفس فلا تقع المحبة الفاسدة إلاّ من جهل أو اعتقاد فاسد وهو غالب أو ما تركب من ذلك فأعان بعضه بعضا فتنفق شبهة يشتبه بها الحق بالباطل يزين له أمر المحبوب وشهوة تدعوه إلى وصوله فيتساعد جيش الشبهة والشهوة علي جيش العقل والإيمان والغلبة لأقواهما. وإذا عرف هذا فتوابع كل نوع من أنواع المحبة له حكم متبوعه فالمحبة النافعة المحمودة التي هي عنوان سعادة العبد وتوابعها كله نافعة له حكمها حكم متبوعها. فإن بكي نفعه وإن حزن نفعه وإن فرح نفعه وإن انبسط نفعه وإن انقبض نفعه فهو يتقلب في منازل المحبة وأحكامها في مزيد وربح وقوة.

وهذا شأن كل فعل تولد عن طاعة ومعصية فكل ما تولد من الطاعة فهو زيادة لصاحبه وقربة وكل ما تولد من المعصية فهو خسران لصاحبه وبعد قال تعالى:

ذَلِكَ بأنه لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إن اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

. فأخبر الله سبحانه في الآية الأولي: إن المتولد عن طاعتهم وأفعالهم يكتب لهم به عمل صالح وأخبر في الثانية: إن أعمالهم الصالحة التي باشروها تكتب لهم أنفسها والفرق بينهما: إن الأول ليس من فعلهم وإنما تولد عنه فكتب لهم به عمل صالح والثاني: نفس أفعالهم فكتب لهم.

فليتأمل قتيل المحبة هذا الفصل حق التأمل ليعلم ما له وما عليه.

سيعلم يوم العرض أي بضاعة أضاع وعند الوزن ما كان حصلا

فصل 5

وكما إن المحبة والإرادة أصل كل فعل كما تقدم فهي أصل كل دين سواء كان حقا أم باطلا فإن الدين من الأعمال الباطنة والظاهرة والمحبة والإرادة أصل ذلك كله والدين هو الطاعة والعبادة والخلق فهو الطاعة اللازمة الدائمة التي صارت خلقا وعادة ولهذا فسر الخلق بالدين في قوله تعالى

هو دان الرباب إذ كرهوا الدين فأضحوا بعزة وصيال

ويكون من الأدنى إلى الأعلى كما يقال: دنت الله ودنت لله وفلان لا يدين الله دينا ولا يدين الله بدين فدان الله أي أطاع الله وأحبه وخافه ودان لله أي خشع له وخضع وذل وانقاد. والدين الباطل لا بد فيه من الخضوع والحب كالعبادة سواء بخلاف الدين الظاهر فإنه لا يستلزم الحب وإن كان فيه انقياد وذل في الظاهر. وسمى الله تعالى يوم القيامة"يوم الدين"لأنه اليوم الذي يدين فيه الناس فيه بأعمالهم إن خيرا فخيرا وإن شرا فشر وذلك يتضمن جزاؤهم وحسابهم فلذلك فسروا بيوم الجزاء ويوم الحساب. وقال تعالى:

فَلَوْلا إن كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ

أي هلا تردون الروح إلى مكانها إن كنتم غير مربوبين ولا مقهورين ولا مجزيين وهذه الآية تحتاج إلى تفسير فإنها سيقت للاحتجاج عليهم في إنكارهم البعث والحساب ولا بد إن يكون الدليل مستلزم لمدلوله بحيث ينتقل الذهن منه إلى المدلول. لما بينهما من التلازم فيكون الملزوم دليل علي لازمه ولا يجب العكس. ووجه الاستدلال: أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء فقد كفروا بربهم، ولم يعرفوه حق معرفته، وإن أقروا به.

والدين دينان. دين شرعي أمري ودين حسابي جزائي. وكلاهما لله وحده فالدين كله أمرا أو جزاء والمحبة أصل كل واحد من الدينين فإن ما شرعه وأمر به يحبه وبرضاه وما نهى عنه فإنه يكرهه ويبغضه لمنافاته لما يحبه ويرضاه فهو يحب ضده فعاد دينه الأمري كله إلى محبته ورضاه ودين العبد لله به إذا كان عن محبة ورضي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا"وهذا الدين قائم بالمحبة وبسببها شرع ولأجلها أسس وكذلك دينه الجزائي فإنه يتضمن مجازات المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وكل من الأمرين محبوب للرب فإنهما عدله وفضله وكلاهما من صفات كماله وهو سبحانه يحب صفاته وأسماءه ويحب ظهور آثارها في خلقه.

ولما علم نبي الله إن ربه علي صراط مستقيم في خلقه وأمره وثوابه وعقابه وقضائه وقدره ومنعه وعطائه وعافيته وبلائه وتوفيقه وخذلانه لا يخرج في ذلك عن موجب كماله المقدس الذي تقتضيه أسماؤه وصفاته من العدل والحكمة والرحمة والإحسان والفضل ووضع الثواب في مواضعه والعقوبة في موضعها اللائق بها ووضع التوفيق والخذلان والعطاء والمنع والهداية والإضلال كل ذلك في أماكنه ومحاله اللائقة به بحيث يستحق على ذلك كمال الحمد والثناء أوجب له ذلك العلم والعرفان إذ نادى على رؤوس الملإ من قومه بجنان ثابت وقلب غير خائف بل متجرد لله

إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلي اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إن رَبِّي عَلي صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

الآية ثم أخبر عن عموم قدرته وقهره بكل ما سواه وذل كل شيء لعظمته فقال:

مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إن رَبِّي عَلي صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

فكيف أخاف من ناحيته بيد غيره وهو في قبضته وتحت قهره وسلطانه دونه وهل هذا الأمر إلاّ من أجهل الجهل وأقبح الظلم؟ ثم أخبر أنه سبحانه علي صراط مستقيم فكل ما يقضيه ويقدره

وفي الحديث الصحيح"ما أصاب عبد قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله فرجا مكانه قالوا: يا رسول الله ألا نتعلمهن؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن"وهذا يتناول حكم الرب الكوني والأمر والقضاء الذي يكون باختيار العبد وبغير اختياره وكلا الحكمين ماض في عبده وكلا القضائين عدل فيه فهذا الحديث مشتق من هذه الآية بينهما أقرب نسب وبالله التوفيق.

فصل 6

ونختم الجواب بفصل متعلق بعشق الصور وما فيه من المفاسد العاجلة والآجلة وإن كانت أضعاف ما يذكره ذاكر فإنه يفسد القلب بالذات وإذا فسد فسدت الإرادات والأقوال والأعمال وفسد ثغر التوحيد كما تقدم وسنقرره أيضا إن شاء الله تعالى. والله سبحانه وتعالى إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس وهم اللوطية

أحدها: ما ركب الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة كما يميل العطشان إلى الماء والجائع إلى الطعام حتى إن كثيرا من الناس يصبر عن الطعام والشراب ولا يصبر عن النساء وهذا لا يذم إذا صادف حلال بل يحمد كما في كتاب الزهد للإمام أحمد من حديث يوسف بن عطية الصغار عن ثابت ألبناني عن أنس

قال ﷺ: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة»

الثاني: أن يوسف عليه السلام كان شابا وشهوة الشباب وحدته أقوى. الثالث: أنه كان عزبا لا زوجة له ولا سرية تكسر شدة الشهوة. الرابع: أنه كان في بلاد غربة يتأتى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا يتأتى لغيره في وطنه وأهله ومعارفه. الخامس: إن المرأة كانت ذات منصب وجمال بحيث إن كل واحد من هذين الأمرين يدعو إلى موافقتها. السادس: أنها غير آبية ولا ممتنعة فإن كثيرا من الناس يزيل رغبته في المرأة إباؤها وامتناعها لما يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها وكثير من الناس يزيده الآباء والامتناع زيادة حب كما قال الشاعر:

وزادني كلفا في الحب إن منعت أحب شيء إلى الإنسان ما منعا

فطباع الناس مختلفة في ذلك الآفات من يتضاعف حبه عند بذل المرأة ورغبتها وتضمحل عند إبائها وامتناعها وأخبرني بعض القضاة إن إرادته وشهوته

السابع: أنها طلبت وأرادت وبذلت الجهد فكفته مؤنة الطلب وذل الرغبة إليها بل كانت هي الراغبة الذليلة وهو العزيز المرغوب إليه. الثامن: إنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها بحيث يخشى إن لم يطاوعها من إذا هاله فاجتمع داعي الرغبة والرهبة. التاسع: إنه لا يخشى إن تنم عليه هي ولا أحد من جهتها فإنها هي الطالبة والرغبة وقد غلقت الأبواب وغيبت الرقباء. العاشر: أنه كان مملوكا لها في الدار بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها ولا ينكر عليه وكان الأنس سابقا علي الطلب وهو من أقوى الدواعي كما قيل لامرأة شريفة من أشراف العرب: ما حملك علي الزنا؟ قالت: قرب الوسادة وطول السرار تعني قرب وساد الرجل من وسادتي وطول السرار بيننا. الحادي عشر: أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال فأرته إياهن وشكت حالها إليهن لتستعين بهن عليه فاستعان هو بالله عليهن فقال:

وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إليهنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ

. الثاني عشر: أنها تواعدته بالسجن والصغار وهذا أنواع إكراه إذ هو تهديد ممن يغلب علي الظن وقوع ما هدد به فيجتمع داعي الشهوة وداعي السلامة من ضيق السجن والصغار.

ومع هذه لدواعي كلها فآثر مرضات الله وخوفه وحمله حبه لله علي إن اختار السجن علي الزنا

قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلى مِمَّا يَدْعُونَنِي إليه

وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه وأن ربه تعالى لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه وكان من الجاهلين وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه. وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد علي ألف فائدة لعلنا إن وفقنا الله إن نفردها في مصنف مستقل.

فصل 7

والطائفة الثانية الذين حكى الله عنهم العشق: هم اللوطية كما قال تعالى:

وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ قَالَ إن هَؤُلاءِ ضَيفِي فَلا تَفْضَحُونِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ

فهذه الأمة عشقت حكاه سبحانه عن طائفتين عشق كل منهما ما حرم عليه من الصور ولم يبال بما في عشقه من الضرر. وهذا داء أعيا الأطباء دواؤه وعز عليهم شفاؤه وهو والله الداء العضال والسم القتال الذي ما علق بقلب إلاّ وعز علي الورى استنقاذه من إساره ولا اشتعلت نار في مهجة إلاّ وصعب علي الخلق تخليصها من ناره وهو أقسام:

فتأمل حال أكثر عشاق الصور هل تحدها مطابقة لذلك ثم ضع حالهم في كفة وتوحيدهم في كفة وإيمانهم في كفة ثم زن وزنا يرضي الله ورسوله ويطابق العدل وربم صرح العاشق منهم بأن وصل معشوقه أحب إليه من توحيد ربه كما قال العاشق الخبيث:

يترشفن من فمي رشفات هن أحلي فيه من التوحيد

وكما صرح الخبيث الآخر إن وصله أشهى إليه من رحمة ربه فعياذا بك اللهم من هذا الخذلان ومن هذا الحال قال الشاعر:

وصلك أشهى إلى فؤادي من رحمة الخالق الجليل

ولا ريب أن هذا العشق من أعظم الشرك وكثير من العشاق يصرح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه البتة بل قد ملك معشوقه عليه قلبه كله فصار عبدا مخلصا من كل وجه لمعشوقه: فقد رضي هذا من عبودية الخالق جل جلاله بعبودية المخلوق مثله فإن العبودية أي كمال الحب والخضوع وهذا قد استغرق قوة حبه وخضوعه وذله لمعشوقه فقد أعطاه حقيقة العبودية.

فصل 8

ودواء هذا الداء القتال إن يعرف إنما ما بتلي به من الداء المضاد للتوحيد (إنما هو من جهله وغفلة قلبه عن الله فعليه إن يعرف توحيد ربه وسننه وآياته أولا) ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بم يشغل قلبه عن دوام الفكر فيه ويكثر اللجاء والتضرع إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه وأن يرجع بقلبه إليه وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله وهو الدواء الذي ذكره الله في كتابه حيث قال:

كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ

. وأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه فإن القلب إذا خلص وأخلص عمله لله لم يتمكن منه عشق الصور فإنه إنما يتمكن من قلب فارغ كما قال:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبا خاليا فتمكنا

وليعلم العاقل إن العقل والشرع قد يوجبان تحصيل المصالح وتكميلها وإعدام المفاسد وتقليلها فإذا عرض للعاقل أمر يرى فيه المصلحة والمفسدة وجب عليه أمران: أمر علمي وأمر عملي فالعلمي طلب معرفة الراجح من طرفي المصلحة والمفسدة فإذا تبين له الرجحان وجب عليه إيثار الأصلح له.

أحدها: الاشتغال بذكر المخلوق وحبه عن حب الرب تعالى وذكره فلا يجتمع في القلب هذا وهذا إلاّ ويقهر أحدهما صاحبه ويكون السلطان والغلبة له. لثاني: عذاب قلبه به فإن من أحب شيئا غير الله عذب به ولا بد كما قيل:

فما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيا في كل حين مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقا إليهم ويبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند الفراق وتسخن عينه عند التلاقي

والعشق وإن استلذ به صاحبه فهو من أعظم عذاب القلب. الثالث: إن العاشق قلبه أسير في قبضة معشوقه يسومه الهوان ولكن لسكرة العشق لا يشعر بمصابه فقلبه كالعصفورة في كف الطفل يسومها حياض الردى والطفل يلهو ويلعب كما قال بعض هؤلاء:

ملكت فؤادي بالقطيعة والجفا وأنت خلي البال تلهو وتلعب
فيعيش العاشق عيش الأسير الموثق المطلق ويعيش الخلي عيش المسيب
طليق برأي العين وهو أسير عليل علي قطب الهلاك يدور
وميت يرى في صورة الحي غاديا وليس له حتى النشور نشور
أخو غمرات ضاع فيهن قلبه فليس له حتى الممات حضور

الرابع: أنه يشتغل به عن مصالح دينه ودنياه فليس شيء أضيع لمصالح الدين والدنيا من عشق الصور.

الخامس: إن آفات الدنيا والآخرة أسرع إلى عشاق الصور من النار في يابس الحطب وسبب ذلك إن القلب كلما قرب من العشق قوى اتصاله به بعد من الله فأبعد القلوب من الله قلوب عشاق الصور وإذا بعد القلب من الله طرقته الآفات من كل ناحية فإن الشيطان يتولاه من تولاه عدوه واستولي عليه لم يدع أذى يمكنه إيصاله إليه إلاّ أوصله فما الظن من قلب تمكن منه عدوه وأحرص الخلق علي عيبه وفساده وبعده من وليه ومن لا سعادة له ولا فلاح ولا سرور إلاّ بقربه وولايته. السادس: أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوى سلطانه أفسد الذهن وأحدث الوساوس وربما التحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم فلا ينتفعون به وأخبار العشاق في ذلك موجودة في مواضعها بل بعضها يشاهد بالعيان وأشرف ما في الإنسان عقله وبه يتميز عن سائر الحيوانات فإن عدم عقله التحق بالبهائم بل ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله وهل أذهب عقل مجنون ليلي وأضرابه إلاّ العشق؟ وربما زاد جنونه علي جنون غيره كما قيل:

قالوا: جننت بمن تهوى فقلت لهم العشق أعظم مما بالمجانين
العشق لا يستفيق الدهر صاحبه وإنما يصرع المجنون بالحين

السابع: أنه ربما أفسد الحواس أو نقصها إما فسادا معنويا أو صوريا إما الفساد المعنوي فهو تابع لفساد القلب فإن القلب إذا فسد فسدت العين وفسد اللسان وفسد السمع.

هويتك إذ عينى عليها غشاوة فلما انجلت قطعت نفسي ألومها

والداخل في الشيء لا يرى عيوبه والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه ولا يرى عيوبه إلاّ من دخل فيه ثم خرج منه ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في الإسلام بعد الكفر خير من الذين ولدوا في الإسلام. قال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه"إنما ينتقض عرى الإسلام عروة عروة إذا ولد في الإسلام من لا يعرف الجاهلية". وأما فساده للحواس ظاهرا فإنه يمرض البدن وينهكه وربما أدى إلى تلفه كما هو المعروف في أخبار من قتله العشق. وقد رفع إلى ابن عباس وهو بعرفة شاب قد انتحل حتى عاد جلدا علي عظم فقال: ما شأن هذا؟ قالوا: به العشق، فجعل ابن عباس يستعيذ بالله من العشق عامة يومه. الثامن:أن العشق كما تقدم هو الإفراط في المحبة بحيث يستولي المعشوق علي القلب من العاشق حتى لا ولو من تخيله وذكره والفكر فيه بحيث لا يغيب عن خاطره وذهنه فعند ذلك تشتغل النفس عن استخدام القوة الحيوانية في مصالحها الحقيقية.

الحب أول ما يكون لجاجة يأتي بها وتسوقه الأقدار
حتى إذا خاض الفتى لجج الهوى جاءت أمور لا تطاق كبار

والعشق مبادئه سهلة حلوة وأوسطه هم وشغل قلب وسقم وآخره عطب وقتل إن لم يتداركه عناية من الله كما قيل:

وعش خاليا فالحب أوله عنا وأوسطه سقم وآخره قتل

وقال آخر:

تولع بالعشق حتى عشق فلما استقل به لم يطق
رأى لجة ظنها موجة فلما تمكن منها غرق

والذنب له فهو الجاني علي نفسه وقد قعد تحت المثل السائر"يداك أوكتا وفوك نفخ".

فصل 9

والعاشق له ثلاث مقامات: مقام ابتداء ومقام توسط ومقام انتهاء. فأما مقام ابتدائه قالوا: فالواجب عليه مدافعته بكل ما يقدر عليه إذا كان الوصول إلى معشوقه متعذرا قدرا وشرعا فإن عجز عن ذلك وأبى قلبه إلاّ السفر إلى محبوبه -وهذا مقام التوسط والانتهاء- فعليه كتمانه ذلك وأن لا يفشيه إلى الخلق ولا يشمت بمحبوبه ويهتكه بين الناس فيجمع بين الظلم والشرك

والمقصود: إن في إظهار المبتلي عشق من لا يحل له الاتصال به من ظلمه وأذاه ما هو عدوان عليه وعلي أهله وتعريض لتصديق كثير من الناس ظنونهم فيه فإن استعان عليه ممن يستميله إليه إما برغبة أو رهبة تعدى الظلم وانتشر وصار ذلك الواسطة بين الراشي والمرتشي وصار ذلك الواسطة ظالم وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد لعن الرائش وهو الواسطة ديوثا ظالما بين الراشي أو المرتشي لإيصال الرشوة فما الظن بالديوث الواسطة بين العاشق والمعشوق في الوصلة المحرمة فيتساعد العاشق علي ظلم المعشوق وغيره ممن يتوقف حصول غرضهما علي ظلمه في نفس ومال أو عرض فإن كثيرا ما يتوقف حصول المطلوب غرضه نفس يكون حياتها مانعة من غرضه وكم قتيل طل دمه بهذا السبب من زوج وسيد قريب وكم

فإن استعان العاشق على وصال معشوقه بشياطين الجن إما بسحر أو غيره، فقد ضم إلى الشرك والظلم كفراً.

والمقصود: إن التعاون في هذا الباب تعاون على الإثم والعدوان. وأما ما يقترن بحصول غرض العاشق من الظلم المنتشر المتعدي لا يخفى فإنه إذا حصل له مقصوده من المعشوق فللمعشوق أمور أخر يريد من العاشق إعانته عليها فلا يجد من إعانته بدا فيبقى كل منهما يعين الأخ على الظلم والعدوان فالمعشوق يعين العاشق على ظلم من اتصل به من أهله وأقاربه وسيده وزوجه والعاشق يعين المعشوق على ظلم من يكون غرض المعشوق متوقفا على ظلمه فكل منهما يعين الآخر على أغراضه التي يكون فيها ظلم الناس فيحصل العدوان والظلم للناس بسبب اشتراكهما في القبح لتعاونهما بذلك على الظلم وكما جرت به العادة بين العشاق والمعشوقين من إعانة العاشق لمعشوقه على ما فيه ظلم وعدوان وبغي حتى ربما يسعى له في منصب لا يليق به ولا يصلح لمثله في تحصيل مال من غير حله وفي استطالته على غيره فإذا اختصم معشوقه وغيره أو تشاكيا لم يكن إلاّ في جانب المعشوق ظالما كان أو مظلوما هذا إلى ما ينضم إلى ذلك من ظلم العاشق للناس بالتحيل على أخذ أموالهم والتوصل بهما إلى معشوقه بسرقة أو غصب أو خيانة أو يمين كاذبة أو قطع طريق ونحو ذلك وربما أدى ذلك النفس التي حرم الله ليتوصل به إلى معشوقه. فكل هذه الآفات بسبب العشق كما جرى لبعض المؤذنين حين أبصر وهو على سطح مسجد امرأة جميلة ففتن بها ونزل إليها فدعته إلى النصرانية فتنصر وتزوجها وسقط من السطح فمات.

وإذا أراد النصارى إن ينصروا الأسير أروه امرأة جميلة وأمروها إن تطمعه في نفسها حتى إذا تمكن حبها من قلبه بذلت له نفسها إن دخل في دينها فهنالك

يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ

وفي العشق من ظلم كل واحد من العاشق والمعشوق لصاحبه لمعاونته له على الفاحشة وظلمه لنفسه فكل منهما ظالم لنفسه وصاحبه وظلمهما متعد إلى الغير كما تقدم وأعظم من ذلك ظلمهما بالشرك فقد تضمن العشق أنواع الظلم كلها والمعشوق إذا لم يتق الله فإنه يعرض العاشق للتلف وذلك ظلم منه بأن يطمعه في نفسه ويتزين له ويستميله بكل طريق حتى يستخرج منه نفعه ولا يمكنه من نفسه لئلا يزول غرضه بقضاء وطره منه فهو يسومه سوء العذاب والعاشق معشوقه ليشفي نفسه منه ولا سيما إذا جاد بالوصال لغيره وكم للعشق من قتيل من الجانبين وكم قد أزال من نعمة وأفقر من غني وأسقط من مرتبة وشتت من شمل وكم أفسد من أهل للرجل وولد فإن المرأة إذا رأت بعلها عاشقا لغيرها اتخذت هي معشوقا لنفسها فيصير الرجل مترددا بين خراب بيته بالطلاق وبين القيادة فمن الناس من يؤثر هذا ومنهم من يؤثر هذا. فعلى العاقل إن يحكم على نفسه سد عشق الصور لئلا يؤذيه ويؤديه ذلك إلى الهلاك إليك هذه المفاسد وأكثرها أو بعضها فمن فعل ذلك فهو المفرط بنفسه والمغرر بها فإذا هلكت فهو الذي أهلكها فلولا تكراره النظر إلى وجه معشوقه وطمعه في وصاله لما تمكن هذا من قلبه.

وقد قيل ليحيى بن معاذ الرازي: إن ابنك قد عشق فلانة فقال: الحمد لله الذي صيره إلى الطبع الآدمي. وقال بعضهم: العشق داء أفئدة الكرام. وقال غيره: العشق لا يصلح إلاّ لذي مروءة طاهرة وخليقة ظاهرة أو لذي لسان فاضل وإحسان كامل أو لذي أدب بارع وحسب ناصع.

وقال آخر: العشق يزيل الأثقال ويلطف الروح ويصفي كدر القلب ويوجب الارتياح لأفعال الكرام كما قال الشاعر:

سيهلك في الدنيا شفيق عليكم إذا غاله من حادث الحب غائله
كريم يميت السر حتى كأنه إذا استفهموه عن حديثك جاهله
يود بأن يمسي سقيما لعلها إذا سمعت عنه بشكوى تراسله
ويهتز للمعروف في طلب العلا لتحمد يوما عند ليلي شمائله

فالعشق يحمل على مكارم الأخلاق. وقال بعض الحكماء: العشق يروض النفس ويهذب الأخلاق إظهاره طبعي وإضماره تكلفي. وقال آخر: من لم تبتهج نفسه بالصوت الشجي والوجه البهي فهو فاسد المزاج يحتاج إلى علاج وأنشد في ذلك:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فما لك في طيب الحياة نصيب

وقال آخر:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فأنت وعير في الفلاة سواء

وقال الآخر:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فقم فاعتلف تبنا فأنت حمار

وقال بعض العشاق أولو العفة والصيانة: إذ عفوا تشرفوا وإذا عشقوا تظرفوا. وقيل لبعض العشاق: ما كنت تصنع بمن تهوى به؟ فقال:

أخلو به فأعف عنه تكرما خوف الديانة لست من عشاقه
كالماء في يد صائم يلتذه ظمأ فيصبر عن لذيذ مذاقه

وقال أبو إسحق بن إبراهيم: أرواح العشاق عطرة لطيفة وأبدانهم رقيقة خفيفة نزهتهم الموانسة وكلامهم يحيي موات القلوب ويزيد في العقول ولولا العشق والهوى لبطل نعيم الدنيا. وقال آخر: العشق للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان إن تركته ضرك وإن أكثرت منه قتلك وفي ذلك قيل:

خليلي إن الحب فيه لذاذة وفيه شقاء دائم وكروب
علي ذاك ما عيش يطيب بغيره ولا عيش إلاّ بالحبيب يطيب
ولا خير في الدنيا بغير صبابة ولا في نعيم ليس فيه حبيب

وذكر الخرائطي عن أبي غسان قال: مر أبو بكر الصديق رضي الله عنه بجارية وهي تقول:

وهويته من قبل قطع تمائمي متمايلا مثل القضيب الناعم

فسألها: أحرة أنت أم مملوكة؟ قالت: بل مملوكة فقال:من تهوين؟ فتلكأت فأقسم عليها فقالت:

وأنا التي لعب الهوى بفؤادها قتلت بحب محمد بن القاسم

فاشتراها من مولاها وبعث بها إلى محمد بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب فقال: هؤلاء والله فتن الرجال. وكم والله قد مات بهن كريم وعطب بهن سليم.

ونحن لا ننكر فساد العشق الذي يتعلق به فعل الفاحشة بالمعشوق وإنما الكلام في العشق العفيف من الرجل الظريف الذي يأبى له إيمانه ودينه وعفته ومروءته إن يفسد ما بينه وبين الله وما بينه وبين معشوقة بالحرام وهذا عشق السلف الكرام والأئمة الأعلام فهذا عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة عشق حتى اشتهر أمره عليه وعد ظالما من لامه ومن شعره:

كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم ولامك أقوام ولومهم ظلم
فنم عليك الكاشحون وقبلهم عليك الهوى قد نم ما ينفع الكتم
فأصبحت كالهندي إذ مات حسرة على أثر هند أو كمن شفه سقم
تجنبت إتيان الحبيب تأثما إلاّ إن هجران الحبيب هو الإثم
فذق هجرها قد كنت تزعم أنه رشاد ألا يا ربما كذب الزعم

وهذا عمر بن عبد العزيز وعشقه لجارية فاطمة بنت عبد الملك بن مروان وامرأته مشهورة وكانت جارية بارعة الجمال وكان معجبا بها وكان يطلبها من امرأته ويحرص على إن تهبها له فتأبى ولم تزل الجارية في نفس عمر فلما استخلف أمرت فاطمة بالجارية فأصلحت وكانت مثلا في حسنها وجمالها ثم دخلت على عمر وقالت: يا أمير المؤمنين إنك كنت معجبا بجاريتي فلانة وسألتها فأبيت، وها هي لك قد طيُبتُ نفساً بها.

وهذا أبو بكر بن محمد بن داود الظاهري العالم المشهور في فنون العلم من الفقه والحديث والتفسير والأدب وله قول في الفقه وهو من أكابر العلماء وعشقه مشهور. قال نفطويه: دخلت عليه في مرضه الذي مات فيه فقلت كيف نجدك؟ قال: حب من تعلم أورثني ما ترى فقلت: وما يمنعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ فقال: الاستمتاع على وجهين: أحدهما النظر المباح والآخر: اللذة المحظورة فأما النظر المباح فهو الذي أورثني ما ترى وأما اللذة المحظورة يمنعني منها ما حدثني أبي حدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً:

ثم أنشد:

انظر إلى السحر يجري من لواحظه وانظر إلى دعج في طرفه الساجي
وانظر إلى شعرات فوق عارضه كأنهن نمال دب في عاج

ثم أنشد:

ما لهم أنكروا سوادا بحديه ولا ينكرون ورد الغصون
أن يكن عيب خده نبت الشعر فعيب العيون شعر الجفون

فقلت له: نفيت القياس في الفقه وأثبته في الشعر؟ فقال غلبة الوجد وملكة النفس دعت إليه ثم مات من ليلته وبسبب معشوقه صنف كتاب الزهرة. ومن كلامه فيه:"من ييأس بمن يهواه ولم يمت من وقته سلاه وذلك إن أول روعات الناس تأتي القلب وهو غير مستعد لها فأما الثانية تأتي القلب وقد وطأت لها الروعة الأولي". والتقى هو وأبو العباس بن سريج في مجلس أبي بن عيسى الوزير فتناظرا في مسألة من الإيلاء قال له ابن سريج: بأن تقول: من دامت لحظاته كثرت حسراته أحذق منك بالكلام على الفقه فقال: الآن كان ذلك فإني أقول:

أنزه في روض المحاسن مقلتي وأمنع نفسي إن تنال محرما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه يصب على الصخر الأصم تهدما
وينطق طرفي عن مترجم خاطري فلولا اختلاس وده لتكلما

فقال له أبو العباس بن سريج:بما تفخر على ؟ ولو شئت لقلت:

مطاعمه كالشهد في نغماته قد بت أمنعه لذيذ سناته
بصبابه وبحسنه وحديثه وأنزه اللحظات عن وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ولي بخاتم ربه وبراته

فقال أبو بكر: يحفظ عليه الوزير ما أقر به حتى يقيم شاهدين على أنه ولي بخاتم ربه وبراءته فقال ابن سريج: يلزمني في هذا ما يلزمك في قولك:

أنزه في روض المحاسن مقلتي وأمنع نفسي إن تنال محرما

فضحك الوزير فقال: لقد جمعتما لطفا وظرفا ذكر ذلك أبو بكر الخطيب في تاريخه وجاءته يوما فتيا مضمونها:

يا ابن داود يا فقيه العراق أفتنا في قواتل الأحداق
هل عليها بما أتت من جناح أم حلال لها دم العشاق

فكتب تحت البيتين بخطه فقال:

عندي جواب سائل العشاق فاسمعه من قرح الحشا مشتاق
لما سئلت عن الهوى هيجتني وأرقت دمعا لم يكن مهراق
إن كان معشوقا يعذب عاشقا كان المعذب أنعم العشاق

قال: صاحب كتاب منازل الأحباب شهاب الدين محمود بن سليمان بن مهدي صاحب كتاب الإنشاء وقلت: في جواب البيتين على قافيتهما مجيبا للسائل:

قل لمن جاء سائلا عن لحاظ هن يلعبن في دم العشاق
وسيوف اللحاظ أولي بأن تصفح عما جنت على العشاق
إنما كل من قتلن شهيد ولهذا يفني فنا وهو باق

ونظير ذلك فتوى وردت على الشيخ أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني شيخ الحنابلة في وقته رحمه الله:

قل للإمام أبي الخطاب مسألة جاءت إليك وما أخال سواك لها
ماذاعلى رجل رام الصلاة فمذ لاحت مخاطرة ذات الجمال لها

فأجابه تحت سؤاله:

قل للأديب الذي وافى بمسألة سرت فؤادي لما إن أصخت لها
إن الذي فتنته عن عبادة ربه خريدة ذات حسن فانثنى ولها
إن تاب ثم قضا عنه عبادة ربه فرحمة الله تغشى من عصى ولها

وقال عبد الله بن معمر القيسي: حججت سنة ثم دخلت مسجد المدينة لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فبينما أنا جالس ذات ليلة بين القبر والمنبر إذا سمعت أنينا فأصغيت إليه فإذا هو يقول:

أشجاك نوح حمائم السدر فأهجن منك بلابل الصدر
أم عز نومك ذكر غانية أهدت إليك وساوس الفكر
يا ليلة طالت على دنف يشكو السهاد وقلة الصبر
أسلمت من تهوى لحر جوى متوقد كتوقد الجمر
فالبدر يشهد ومعناه كلف مغرم بحب شبيهة البدر

ثم انقطع الصوت فلم أدر من أين جاء وإذا به قد عاد البكاء والأنين ثم أنشد يقول:

أشجاك من ريا خيال زائر والليل مسود الذوائب عاكر
واغتال مهجتك الهوى برسيسة واهتاج مقلتك الخيال الزائر
ناديت ريا والظلام كأنه يم تلاطم فيه موج زاخر
والبدر يسري في السماء كأنه ملك ترجل والنجوم عساكر
ترى به الجوزاء ترقص في الدجى رقص الحبيب علاه سكر طاهر
ا ليل طلت على محب ما له إلاّ الصباح مساعد وموازر
فأجابني: مت حتف أنفك واعلمن أن الهوى لهو الهوان الحاضر

قال: وكنت ذهبت عند ابتدائه بالأبيات فلم يتنبه إلاّ وأنا عنده فرأيت شابا مقتبلا شبابه قد خرق الدمع في خده خرقين فسلمت عليه فقال: إجلس من أنت؟ فقلت: عبد الله بن معمر القيسي قال: ألك حاجة؟ قلت: نعم كنت جالسا في الروضة فما راعني إلاّ صوتك فبنفسي أفديك فما الذي تجده فقال: أنا عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري غدوت يوما إلى مسجد الأحزاب فصليت فيه. ثم اعتزلت غير بعيد فإذا بنسوة قد أقبلن يتهادين مثل القطا وإذا في وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة الملاحة وقالت: يا عتبة ما تقول في وصل من يطلب وصلك؟ ثم تركتني وذهبت فلم أسمع لها خبرا ولم أقف لها على أثر فإنا حيران أنتقل من مكان إلى مكان ثم صرخ وأكب مغشيا عليه ثم أفاق كأنما صبغت وجنتاه بورس ثم أنشد يقول:

فؤادي وطرفي يأسفان عليكم وعندكم روحي وذكركم عندي
ولست ألذ العيش حتى أراكم ولو كنت في الفردوس جنة الخلد

فقلت يا ابن أخي تب إلى ربك واستغفره من ذنبك فبين يديك هول المطلع فقال: ما أنا بسائل حتى يذوب العارضان فلم أزل معه حتى طلع الصباح فقلت: قم بنا إلى مسجد الأحزاب فلعل الله أن يكشف كربتك فقال: أرجوا ذلك إن شاء الله ببركة طاعتك فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب فسمعته يقول:

يا للرجال ليوم الأربعاء أما ينفك يحدث لي بعد النهار طربا
ما إن يزال غزال منه يقلقني يأتي إلى مسجد الأحزاب منتقبا
يخبر الناس إن الأجر همته وما أنا طالبا للأجر محتسبا
لو كان يبغي ثوابا ما أتى صلفا مضمخا بفتيت المسك مختضبا

ثم جلسنا حتى صلينا الظهر فإذا بالنسوة قد أقبلن وليست الجارية فيهن فوقفن عليه وقلن له: يا عتبة ما ظنك بطالبة وصلك وكاشفة بالك قال: وما بالها قلن: أخذها أبوها وارتحل بها إلى أرض السماوة فسألتهن عن الجارية فقلن: هي ريا بنت الغطريف السلمي فرفع عتبة إليهن رأسه وقال:

خليلي ريا قد أجد بكورها وسارت إلى أرض السماوة وغيرها
خليلي إني قد غشيت من البكى فهل عند غيري مقلة أستعيرها

فقلت له: إني قد وردت بمال جزيل أريد به أهل الستر ووالله لأبذلنه أمامك حتى تبلغ رضاك وفوق الرضاء فقم بنا إلى مسجد الأنصار فقمنا وسرنا حتى

تصبرت لا أني ثبرت وإنما أعلل نفسي أنها بك لاحقة
فلو أنصفت روحي لكانت إلى الردى أمامك من دون البرية سابقة
فما أحد بعدي وبعدك منصف خليلا ولا نفس لنفس موافقة

ثم شهقت وقضت نحبها فاحتفرنا لهما قبرا واحدا ودفناهما فيه ثم رجعت إلى المدينة فأقمت سبع سنين ثم ذهبت إلى الحجاز ووردت المدينة فقلت والله لآتين قبر عتبة أزوره فأتيت القبر فإذا عليه شجرة عليها عصائب حمر وصفر فقلت لأرباب المنزل: ما يقال لهذه الشجرة؟ قالوا شجرة العروسين. ولو لم يكن في العشق من الرخصة المخالفة للتشديد إلاّ الحديث الوارد بالحسن من الأسانيد وهو حديث سويد بن سعيد عن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن العباس يرفعه"من عشق وعف وكتم فمات فهو شهيد"ورواه سويد أيضا عن ابن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا ورواه الخطيب عن الأزهري عن المعافا بن زكريا عن قطبة عن ابن الفضل عن أحمد بن مسروق عنه ورواه الزبير بن بكار عن عبد العزيز الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس. وهذا سيد الأولين والآخرين ورسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم نظر إلى زينب بنت جحش فقالت: سبحان مقلب القلوب.

وهذا داود نبي الله عليه السلام لما كان تحته تسعة وتسعين امرأة ثم أحب تلك المرأة وتزوجها وأكمل بها المائة وقال: الزهري أول حب كان في الإسلام حب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها وكان مسروق يسميها: حبيبة رسول صلى الله عليه وسلم. وقال أبو القيس مولي عبد الله ابن عمرو: "وأرسلني عبد الله بن عمرو إلى أم سلمة أسألها. أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل أهله وهو صائم؟ فقالت: لا فقال: إن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها وهو صائم فقالت: أم سلمة رضي الله عنها إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأي عائشة لم يتمالك نفسه عنها". وذكر سعيد بن إبراهيم عن عامر بن سعيد عن أبيه قال: كان إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم يزوره جبرائيل في كل يوم من الشام على البراق من شغفه بها وقلة صبره عنها. وذكر الخرائطي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما اشترى جارية رومية فكان يحبها حبا شديدا فوقعت ذات يوم عن بغلة له فجعل يمسح التراب عن وجهها ويفديها ويقبلها وكانت تكثر من أن يقول له: يا بطرون أنت قالون تعني يا سيدي أنت جيد.

قد كنت أحسبني قالون فانصرفت فاليوم أعلم أني غير قالون

قال أبو محمد بن حزم: وقد أحب من الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين كثير وقال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين رأيت امرأة فعشقتها فقال: ذلك ما لا تملك. فالجواب وبالله التوفيق: إن الكلام في هذا الباب لا بد فيه من التمييز بين الواقع والجائز والنافع والضار ولا يستعجل عليه بالذم والإنكار ولا بالمدح والقبول من حيث الجملة وإنما يتبين حكمه وينكشف أمره بذكر متعلقه وإلا فالعشق من حيث هو لا يحمد ولا يذم ونحن نذكر النافع من الحب والضار والجائز والحرام. اعلم إن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة من جبلت القلوب على محبته وفطرت الخليقة على تألهه وبها قامت الأرض والسموات وعليها فطر المخلوقات وهي سر شهادة إن لا إله إلاّ الله فإن الإله هو الذي تألهه القلوب بالمحبة والإجلال والتعظيم والذل والخضوع وتعبده والعبادة لا تصح إلاّ له وحده والعبادة هي كمال الحب مع كمال الخضوع والذل والشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله والله سبحانه يحب لذاته من سائر الوجوه وما سواه فإنما يحب تبعا لمحبته. وقد دل على وجوب محبته سبحانه جميع كتبه المنزلة ودعوة جميع رسله صلى الله عليه وسلم أجمعين وفطرته التي فطر عليها عباده وما ركب فيها من العقول وما أسبغ عليهم من النعم فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعم عليها وأحسن إليها فكيف بمن كل الإحسان منه وما بخلقه جميعهم من نعمه وحده لا شريك له كما قال تعالى:

وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ

والمحبة له داعيين: الجلال والجمال والرب تعالى له الكمال المطلق من ذلك فإنه جميل يحب الجمال بل الجمال كله له والإجلال كله منه فلا يستحق إن يحب لذاته من كل وجه سواه قال الله تعالى:

قُلْ إن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ

وقال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ على الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ على الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عليمٌ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فإن حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ

الآية. والولاية أصلها الحب فلا موالاة إلاّ بحب كما إن العداوة أصلها البغض والله ولي الذين آمنوا وهم أولياؤه فهم يوالونه بمحبتهم له وهو مواليهم بمحبته لهم فالله يوالي عبده المؤمن بحسب محبته له. ولهذا أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه أولياء بخلاف من يحب أولياءه فإنه لم يتخذهم من دونه بل موالاته لهم من تمام موالاته. وقد أنكر على من سوى بينه وبين غيره في المحبة وأخبر إن من فعل ذلك فقد اتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله قال تعالى:

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ

وأخبر عمن سوي بينه وبين الأنداد في المحبة أنهم يقولون في النار لمعبوديهم

تَاللَّهِ إن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ

وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنه:"لا يؤمن عبد حتى يكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"فكيف بمحبة الرب جل جلاله؟ وقال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه:"لا حتى أكون أحب إليك من نفسك"أي لا تؤمن حتى تصل محبتك لي إلى هذه الغاية. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أولي بنا من أنفسنا بالمحبة ولوازمها أفليس الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه وتبارك اسمه وتعالي جده ولا إله غيره أولي بمحبته وعبادته من أنفسهم؟ وكل ما منه إلى عبده المؤمن يدعوه إلى محبة مما يحب العبد ويكرهه فعطاؤه ومنعه ومعافاته وابتلائه وقبضه وبسطه وعدله وفضله وأمانته وإحياؤه ولطفه وبره ورحمته وإحسانه وستره وعفوه وحلمه وصبره على عبده وإجابته لدعائه وكشف كربه وإغاثة لهفته وتفريج كربته من غير حاجة منه إليه بل مع غناه التام عنه من جميع الوجوه كل ذلك داع للقلوب إلى تألهه ومحبته بل تمكينه عبده من معصيته وإعانته عليه وستره حتى يقضي وطره منها وكلائته وحراسته له وهو يقضي وطره من معصيته وهو يعينه ويستعين عليها بنعمه من أقوى الدواعي إلى محبته فلو إن مخلوقا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبه عن محبته فكيف لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس مع إساءته؟ فخيره إليك نازل وشرك إليه صاعد يتحبب إليه بنعمه وهو غني عنه والعبد يتبغض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه فلا إحسانه وبره وإنعامه عليه يصده عن معصيته ولا معصية العبد ولومه يقطع إحسان ربه عنه.

وأيضا فكل من تحبه من الخلق أو يحبك إنما يريدك لنفسه وغرضه منك والرب سبحانه وتعالي يريد لك كما في الأثر الإلهي"عبدي كل يريدك لنفسه وأنا أريدك لك"فكيف لا يستحيي العبد إن يكون ربه له بهذه المنزلة وهو معرض عنه مشغول بحب غيره وقد استغرق قلبه محبة ما سواه؟ وأيضا فكل من تعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يعاملك ولا بدله من نوع من أنواع الربح والرب تعالى إنما يعاملك لتربح أنت عليه أعظم الربح وأعلاه فالدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة والسيئة بواحدة وهي أسرع شيء محوا. وأيضا فهو سبحانه خلقك لنفسه وخلق كل شيء خلق لك في الدنيا والآخرة فمن أولي منه باستفراغ الوسع في محبته وبذل الجهد في مرضاته؟ وأيضا فمطالبك -بل مطالب الخلق كلهم جميعا- لديه وهو أجود الأجودين وأكرم الأكرمين ويعطي عبده قبل إن يسأله فوق ما يؤمله يشكر على القليل من العمل وينميه ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه ويسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن لا يشغله سمع عن سمع ولا يغلطه كثرة المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين بل يجب الملحين في الدعاء ويجب إن يسأل ويغضب إذا لم يسأل فيستحي من عبده حيث لا يستحي العبد منه ويستره حيث لا يستر نفسه وبرحمة حيث لا يرحم نفسه دعاه بنعمته وإحسانه وناداه إلى كرامته ورضوانه فأبي فأرسل صلى الله عليه وسلم في طلبه وبعث معهم إليه عهده ثم نزل سبحانه بنفسه وقال:"من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟"كما قيل:"أدعوك للوصل فتأبى أبعث رسلي في الطلب أنزل إليك بنفسي ألقاك في النوم"

ما اعتاض باذل حبه لسواه من عوض ولو ملك الوجود بأسره

وهاهنا أمر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به وهو إن كمال اللذة والسرور والفرح ونعيم القلب وابتهاج الروح تابع لأمرين: أحدهما: كمال المحبوب في نفسه وجماله وإنه أولي بإيثار المحبة من كل ما سواه. والأمر الثاني: كمال محبته واستفراغ الوسع في حبه وإيثار قربه والوصول إليه على كل شيء. وكل عاقل يعلم إن اللذة بحصول المحبوب بحسب قوته ومحبته فكل ما كانت المحبة أقوى كانت لذة المحب أكمل فلذة من اشتد ظمؤه بادراك الماء الزلال ومن اشتد جوعه بأكل الطعام الشهي ونظائر ذلك على حسب شوقه وشدة إرادته ومحبته. وإذا عرفت هذا فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسه بل هو مقصود كل حي وعاقل وإذا كانت لذة مطلوب في نفسها فهي تذم إذا أعقبت ألم أعظم منها. أو منعت لذة خيرا منها وأجل فكيف إذا أعقبت أعظم الحسرات وفوتت أعظم اللذات والمسرات؟ وتحمد إذا أعانت على لذة عظيمة دائمة مستقرة لا تنغيص فيها ولا نكد بوجه ما وهي لذة الآخرة ونعيمها وطيب العيش فيها قال تعالى:

بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى

الآية وقال السحرة لفرعون لما آمنوا

فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إنما تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عليهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى

. والله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليبتليهم هذه اللذة الدائمة في دار الخلد وأما الدنيا فمنقطعة ولذاتها لا تصفو أبدا ولا تدوم بخلاف الآخرة فإن لذاتها مشوبة بالآلام والمنغصات.

وإذا عرفت إن لذات الدنيا متاع وسبيل إلى لذات الآخرة ولذلك خلقت الدنيا لذاتها فكل لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلت إليها لم يذم تناولها بل يحمد بحسب إيصالها إلى لذة الآخرة. إذا عرف هذا فأعظم نعيم الآخرة ولذاتها: النظر إلى وجه الله جل جلاله وسماع كلامه والقرب منه كما ثبت في الصحيح في حديث الرؤية "فوالله ما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه"وفي حديث آخر"إنه إذا تجلي لهم ورأوه نسوا ما هم فيه من النعيم" وفي النسائي ومسند الإمام أحمد من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه"وأسألك اللهم لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك". وفي كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد مرفوعا"كأن الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن من الرحمن فإذا سمعوه من الرحمن فكأنهم لم يسمعوا قبل ذلك". وإذا عرف هذا فأعظم الأسباب التي تحصل هذه اللذة هو أعظم لذات الدنيا على الإطلاق وهي لذة معرفته سبحانه ولذة محبته فإن ذلك هو لذة الدنيا ونعيمها العالي ونسبة لذاتها الفانية إليه كتفلة في بحر فإن الروح والقلب والبدن إنما خلق لذلك فأطيب ما في الدنيا معرفته سبحانه ومحبته وألذ ما في الجنة رؤيته ومشاهدته فمحبته ومعرفته قرة العيون ولذة الأرواح وبهجة القلوب

وإذا كان صاحب المحبة الباطلة التي هي عذاب على قلب المحب يقول في حاله:

وما الناس إلاّ العاشقون ذوو الهوى فلا خير فمن لا يحب ويعشق

ويقول آخر:

أف للدنيا متى ما لم يكن صاحب الدنيا محب أو حبيبا

ويقول الآخر:

ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها وأنت وحيد مفرد غير عاشق

ويقول الآخر:

أسكن إلى سكن تلذ بحبه ذهب الزمان وأنت منفرد

ويقول الآخر:

تشكي المحبون الصبابة ليتني تحملت ما يلقون من بينهم وحدي
فكانت لقلبي لذة الحب كلها فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي

فيكف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الأرواح وليس للقلب لذة ولا نعيم ولا فلاح ولا حياة إلاّ بها؟ وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها والأذن إذا فقدت سمعها والأنف إذا فقد شمها واللسان إذا فقد نطقه بل فساد القلب إذا خلي من محبة فاطره وبارئه وإلهه أعظم من فساد البدن إذا فارقته الروح.

والمقصود: إن أعظم لذات الدنيا هي السبب الموصل إلى أعظم لذة في الآخرة ولذات الدنيا ثلاثة أنواع: فأعظمها وأكملها: ما أوصل إلى لذة الآخرة ويثاب الإنسان على هذه اللذة أتم ثواب ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجه الله من أكله وشربه ولبسه ونكاحه وشفاء غيظ لقهر عدو الله وعدوه فكيف بلذة إيمانه ومعرفته بالله ومحبته له وشوقه إلى لقائه وطمعه في رؤية وجهه الكريم في جنات النعيم؟ النوع الثاني: لذة تمنع لذة الآخرة وتعقب آلاما أعظم منها كلذة الذين اتخذوا من دون الله أوثانا مودة بينهم في الحياة الدنيا يحبونهم كحب الله ويستمع بعضهم ببعض كما يقولون في الآخرة إذا لقوا ربهم

رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إن رَبَّكَ حَكِيمٌ عليمٌ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

ولذة أصحاب الفواحش والظلم والبغي في الأرض والعلو بغير الحق وهذه اللذات في الحقيقة إنما هي استدراج من الله لهم ليذيقهم بها أعظم الآلام ويحرمهم بها أكمل اللذات بمنزلة من قدم لغيره طعاماً لذيذاً مسموماً يستدرجه به إلى هلاكه قال تعالى:

سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إن كَيْدِي مَتِينٌ

. قال بعض السلف في تفسيرها: كل ما أحدثوا ذنبا أحدثنا لهم نعمة

حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فإذا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وقال في حقهم

فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إنما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ

الآية وهذه اللذة تنقلب آلاما من أعظم الآلام كما قيل:

مآرب كانت في الحياة لأهلها عذابا فصارت في المعاد عذابا

النوع الثالث: لذة لا تعقب لذة في دار القرار ولا ألما يمنع وصول لذة دار القرار وإن منعت كمالها وهذه اللذة المباحة التي لا يستعان بها على لذة الآخرة فهذه زمانها يسير وليس لتمتع النفس بها قدر ولا بد إن يشتغل عما هو خير وأنفع منها. وهذا القسم هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله"كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلاّ رمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق"فما أعان على اللذة المطلوبة لذاتها فهو حق وما لم يعن عليها فهو باطل.

فصل 10

فهذا الحب لا ينكر ولا يذم بل هو أحد أنواع الحب وكذلك حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما نعني بالمحبة الخاصة وهي التي تشغل قلب المحب وفكره وذكره لمحبوبه وإلاّ فكل مسلم في قلبه محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يدخل الإسلام إلاّ بها الكراهة متفاوتون في درجات هذه المحبة تفاوت لا يحصيه إلاّ الله فبين محبة الخليلين صلى الله عليه وسلم ومحبة غيرهما ما بينهما فهذه المحبة هي التي تلطف وتخفف أثقال التكاليف وتسخي البخيل وتشجع الجبان وتصفي الذهن وتروض النفس وتطيب الحياة على الحقيقة لا محبة الصور المحرمة وإذا هذا شأن المحبة، فيقال:

سيبقى لكم في مضمر القلب والحشا سريرة حب يوم تبلي السرائر

وهذه المحبة هي التي تنور الوجه وتشرح الصدر وتحيي القلب وكذلك محبة كلام الله فإنه من علامة حب الله وإذا أردت إن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة الله فإنظر محبة القرآن من قلبك والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم فإنه من المعلوم إن من أحب حبيبا كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه كما قيل

إن كنت تزعم حبي فلم هجرت كتابي
أما تأملت ما فيه من لذيذ خطابي

وقال عثمان ابن عفان رضي الله عنه:"لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله"وكيف يشبع المحب من كلام من هو غاية مطلوبه؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: يوما لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال:"أقرأ عليّ فقال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب إن أسمعه من غيري فاستفتح فقرأ سورة النساء حتى قوله

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاءِ شَهِيداً

قال: حسبك الآن فرفع رأسه فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان من البكاء"وكان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى يقولون: يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون فلمحبي القرآن -من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور- أضعاف ما لمحبي السماع الشيطاني فإذا رأيت الرجل ذوقه وشدة وجده وطربه وشوقه لسماعه الأبيات دون سماع الآيات في سماع الألحان دون سماع القرآن وهو كما قيل:

تقرأ عليك الختمة وأنت جامد كالحجر وبيت من الشعر ينشد تميل كالسكران

ففي محبة الله وكلامه ورسوله صلى الله عليه وسلم أضعاف أضعاف ما ذكر السائل من فوائد العشق ومنافعه بل لا حب على الحقيقة أنفع منه وكل حب سوى ذلك باطل إن لم يعن عليه ويسوق المحب إليه.

فصل 11

وأما محبة النسوان: فلا لوم على المحب فيها بل هي من كماله وقد من الله سبحانه بهاعلى عباده فقال

وَمِنْ آيَاتِهِ إن خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إليها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إن فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

الآية فجعل المرأة سكنا للرجل يسكن إليه قلبه وجعل بينهما خالص الحب وهو المودة المقترنة بالرحمة وقد قال تعالى: عقب ذكره ما أحل لنا من النساء وما حرم منهن

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عليكم وَاللَّهُ عليمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ إن يَتُوبَ عليكم وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ إن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً يُرِيدُ اللَّهُ إن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً

. وذكر سفيان الثوري في تفسيره عن ابن طاوس عن أبيه: كان إذا نظر إلى النساء لم يصبر عنهن. وفي الصحيح من حديث جابر

قال ﷺ: «أنه رأى امرأة فأتى زينب فقضى حاجته منها وقال: إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة الشيطان فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه»

ففي هذا الحديث عدة فوائد.

ومنها: الأمر بمداواة الإعجاب بالمرأة المورث لشهوتها بأنفع الأدوية وهو قضاء وطره من أهله وذلك ينقض شهوته بها وهذا كما أرشد المتحابين إلى النكاح كما في سنن ابن ماجه مرفوعا"لم ير للمتحابين مثل النكاح"ونكاحه لمعشوقه هو دواء العشق الذي جعله الله دواء شرعا وقد تداوى به داود نبي الله داود صلى الله عليه وسلم ولم يرتكب نبي الله محرما وإنما تزوج المرأة وضمها إلى نسائه لمحبته لها وكانت توبته بحسب منزلته عند الله وعلو مرتبته ولا يليق بنا المزيد على هذا. وأما قصة زينب بنت جحش: فزيد كان قد عزم على طلاقها ولم توافقه وكان يستشير رسول الله صلى الله عليه وسلم في فراقها وهو يأمره بإمساكها فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيفارقها ولا بد. فأخفى في نفسه إن يتزوجها إذا فارقها زيد وخشي مقالة الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج زوجة ابنه فإنه كان قد تبني زيد قبل النبوة والرب تعالى يريد إن يشرع شرعا عاما فيه مصالح عباده فلما طلقها زيد وانقضت عدتها منه أرسله إليها يخطبها لنفسه فجاء زيد واستدبر الباب بظهره وعظمت في صدره لما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداها من وراء الباب"يا زينب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبك"فقالت ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي وقامت إلى محرابها فصلت فتولى الله عز جل نكاحها من رسوله صلى الله عليه وسلم بنفسه وعقد النكاح له من فوق عرشه وجاء الوحي بذلك

فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم لوقته فدخل عليها فكانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وتقول:"أنتن زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات.

ولا ريب إن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد حبب إليه النساء كما في الصحيح من حديث أنس ورواه النسائي في سننه والطبراني في الأوسط عنه صلى الله عليه وسلم قال:"حبب إلى من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة"هذا لفظ الحديث لا ما يرويه بعضهم"حبب إلى من دنياكم ثلاث"زاد الإمام أحمد في كتاب الزهد في هذا الحديث"أصبر عن الطعام والشراب ولا اصبر عنهن"وقد حسده أعداء الله اليهود على ذلك وقالوا: ما همه إلاّ النكاح فرد الله سبحانه عن نبيه صلى الله عليه وسلم ونافح عنه فقال:

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ على مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً

الآية. وهذا خليل الله إبراهيم كان عنده سارة أجمل نساء العالمين وأحب هاجر وتسرى بها. وهذا داود عليه السلام كان عنده تسعة وتسعون امرأة فأحب تلك المرأة وتزوجها فكمل المائة وهذا سليمان ابنه عليه السلام كان يطوف في الليلة على تسعين امرأة وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحب الناس إليه فقال"عائشة رضي الله عنها وقال: عن خديجة إني رزقت حبها". فمحبة النساء من كمال الإنسان قال ابن عباس:"خير هذه الأمة أكثرهم نساء"وقد ذكر الإمام احمد إن عبد الله بن عمر وقع في سهمه يوم جلولاء جارية كان عنقها إبريق فضة قال عبد الله:"فما صبرت عنها أن قبلتها وهم ينظرون إلي"وبهذا احتج الإمام أحمد على جواز الاستمتاع من المسبية قبل الاستبراء بغير الوطء بخلاف الأمة المشتراة.

وقد شفع النبي صلى الله عليه وسلم لعاشق إن تواصله معشوقته بأن تتزوج به فأبت وذلك في قصة مغيث وبريرة فإنه رآه يمشي خلفها بعد فراقها ودموعه تجري على خديه فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو راجعته"؟ فقالت: أتأمرني؟ قال: لا إنما اشفع فقالت: لا حاجة لي به فقال لعمه: يا عباس ألاّ تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغضها له عليه حبها "ولم ينكر عليه حبها إن كانت قد بانت منه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يساوي بين نسائه في القسم ويقول:"اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك"يعني في الحب. وقد قال تعالى:

وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا إن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ

يعني في الحب والجماع ولم يزل الخلفاء الراشدين الرحماء من الناس يشفعون للعشاق إلى معشوقهم الجائز وصلهن كما تقدم من فعل أبي بكر وعثمان أتي بغلام من العرب وجد في دار قوم بالليل فقال له: ما قصدك؟ قال: لست بسارق ولكني أصدقك: والفرق بينهما إن انفساخ الملك في المسبية بخلاف المشتركة فقد ينفسخ فيها الملك فيكون مستمتعا

تعلقت في دار الرياحى خودة يذل لها من حسن منظرها البدر
لها في بنات الروم حسن ومنصب ذا افتخرت بالحسن خافتها الفخر
فلما طرقت الدار من حر مهجتي بيت وفيها من توقدها الجمر
تبادرا أهل الدار بي ثم صيحوا هو اللص محتوما له القتل والأسر

فلما سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله رق له وقال للمهلب ابن رباح: اسمح له بها فقال: يا أمير المؤمنين سله من هو؟ فقال: النهاس بن عيينة فقال: خذها فهي لك.

وفارقته كالغصن يهتز في الثرى طريرا وسيما بعدما طر شاربه

فسألها فأخبرته أنها تحب سيدها فردها إليه وفي قلبه منها لوعة. وذكر الزمخشري في ربيعه إن زبيدة قرأت في طريق مكة على حائط:

أما في عباد الله أو في إمائه كريم يجلي الهم عن ذاهب العقل
له مقلة إما الأماقى قريحة وأما الحشا فالنار منه على رجل

فنذرت إن تحتال لقائلها إن عرفته حتى تجمع بينه وبين من يحبه فبينما هي في المزدلفة إذ سمعت من ينشد البيتين فطلبته فزعم أنه قالهما في ابنة عم له نذر أهلها إن لا يزوجوها منه فوجهت إلى الحي وما زالت تبذل لهم المال حتى زوجوها منه وإذا بالمرأة أعشق منه لها فكانت تعده من أعظم حسناتها فتقول. ما أنا بشيء أسر مني من جمعي بين ذلك الفتي والفتاة. وقال الخرائطي: وكان لسليمان بن عبد الملك غلام وجارية يتحابان فكتب الغلام لها يوما:

ولقد رأيتك في المنام كأنما عاطيتنى من ماء فيك البارد
وكان كفك في يدي وكأننا بتنا جميعا في فراش واحد
فطفقت نومي كله متراقدا لأراك في نومي ولست براقد

فأجابته الجارية:

خيرا رأيت وكلما أبصرته ستناله مني برغم الحاسد
إني لأرجو إن تكون معانقي وتبيت مني فوق ثدي ناهد
وأراك بين خلاخلي ودمالجي واراك فوق ترائبى ومجاسدى

فبلغ ذلك سليمان فأنكحها الغلام وأحسن حالهما على فرط غيرته.وقال جامع ابن برخية: سألت سعيد بن المسيب مفتي المدينة: هل في حب النساء من بأس؟ فقال: لا، إذا عف.

فعشق النساء ثلاث أقسام: عشق هو قربة وطاعة وهو عشق الرجل امرأته وجاريته وهذا العشق نافع فإنه أدعي إلى المقاصد التي شرع الله لها النكاح: وأكف للبصر والقلب عن التطلع إلى غير أهله ولهذا يحمد هذا العاشق عند الله وعند الناس. وعشق هو مقت عند الله وبعد من رحمته وهو اضر شيء على العبد في دينه ودنياه وهو عشق المردان فما ابتلي به إلاّ من سقط من عين الله وطرد عن بابه وأبعد قلبه عنه وهو من أعظم الحجب القاطعة عن الله كما قال بعض السلف: إذا سقط العبد من عين الله ابتلاه بمحبة المردان وهذه المحبة هي التي جلبت على قوم لوط ما جلبت وما أتوا إلاّ من هذا العشق قال الله تعالى:

لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ

. ودواء هذا الداء الردى الاستعانة بمقلب القلوب وصدق اللجإ إليه والاشتغال بذكره والتعوض بحبه وقربه والتفكر بالألم الذي يعقبه هذا العشق واللذة التي تفوته به فترتب عليه فوات أعظم محبوب وحصول أعظم مكروه فإذا قدمت نفسه على هذا وآثرته فليكبر على نفسه تكبير الجنازة وليعلم إن البلاء قد أحاط به. والقسم الثالث: العشق المباح الذي لا يملك كعشق من صورت له امرأة جميلة أو رآها فجأة من غير قصد فأورثته ذلك عشق لها ولم يحدث له ذلك العشق معصية. فهذا لا يملك ولا يعاقب عليه والأنفع له مدافعته والاشتغال بما هو انفع له منه والواجب على هذا إن يكتم ويعف ويصبر على بلواه فيثيبه الله على ذلك ويعوضه على صبره لله وعفته وترك طاعته هواه وإيثار مرضاة الله وما عنده.

فعاشق الجمال المطلق يهيم قلبه في كل واد وله في كل صورة جميله مراد فيوما بحزورى ويوم بالعقيق وبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء.

وتارة ينتحي نجدا وآونة شعب العقيق وطورا قصر تيماء

فهذا عشقه أوسع ولكنه غير ثابت كثير التنقل
يهيم بهذا ثم يعشق غيره ويسلاهم من وقته حين يصبح

وعاشق الجمال المقيد اثبت على معشوقه وأدوم محبة له ومحبته أقوى من محبة الأول لاجتماعهما في واحد ويقسم الأولي ولكن يضعفها عدم الطمع في الوصال وعاشق الجمال الذي يطمع في وصاله أعقل العشاق وأعرفهم وحبه أقوى لأن الطمع يمده ويقويه. وأما حديث"من عشق وعف"فهذا ممن يرويه سويد بن سعيد وقد أنكره حفاظ الإسلام عليه. قال ابن عدي في كامله: هذا الحديث احد ما أنكر على سويد. وكذلك ذكره البيهقي وابن طاهر في الذخيرة والتذكرة وأبو الفرج بن الجوزي وعده من الموضوعات وأنكره أبو عبد الله الحاكم على تساهله وقال: أنا أتعجب منه. قلت: والصواب في الحديث أنه من كلام ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا عليه والغلط سويد في رفعه قال محمد بن خلف بن المرزبان: حدثنا أبو بكر بن الأزرق عن سويد به فعاتبته على ذلك فأسقط ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وكان بعد ذلك يسأل عنه ولا يرفعه ولا يشبه هذا كلام النبوة

وأما حديث ابن الماجشون عن عبد الله بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا فكذب علي بن الماجشون فإنه لم يحدث بهذا ولم يحدث به عنه الزبير بن بكار وإنما هذا من تركيب بعض الوضاعين ويا سبحان الله! كيف يحتمل هذا الإسناد مثل هذا المتن؟ فقبح الله الواضعين. وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي من حديث محمد بن جعفر بن سهل: حدثنا يعقوب بن عيسى عن ولد عبد الرحمن بن عوف عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مرفوعا وهذا غلط قبيح فإن محمد بن جعفر هذا هو الخرائطي ووفاته سنة سبع وعشرين وثلاث مائة فمحال إن يدرك شيخه يعقوب ابن أبي نجيح لا سيما وقد رواه في كتاب الاعتلال عن يعقوب هذا عن الزبير عن عبد الملك عن عبد العزيز عن ابن أبي نجيح والخرائطي هذا مشهور بالضعف في الرواية ذكره أبو الفرج في كتاب الضعفاء. وكلام حفاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان وإليهم يرجع في هذا الشأن وما صححه بل ولا حسنه أحد يعول في علم الحديث عليه ويرجع في الصحيح إليه ولا من عادته التساهل والتسامح فإنه لم يصف نفسه له ويكفي أن ابن طاهر الذي يتساهل في أحاديث التصوف ويروي منها الغث والسمين والمنخنقة والموقوذة قد أنكره وحكم ببطلانه.

وقد ذكر أبو محمد بن حزم عنه: أنه سئل عن الميت عشقا فقال: "قتيل الهوى لا عقل ولا قود"ورفع إليه بعرفات شاب قد صار كالفرخ فقال: ما شأنه؟ فقالوا: العشق فجعل عامة يومه يستعيذ من العشق. فهذا نفس ما روي عنه ذلك. ومما يوضح ذلك: إن النبي صلى الله عليه وسلم عد الشهداء في الصحيح فذكر المقتول في الجهاد والمبطون والحريق والنفساء يقتلها ولدها والغريق وصاحب الهدم فلم يذكر منهم العاشق يقتله العشق. وحسب قتيل العشق إن يصح له هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما على أنه لا يدخل الجنة حتى يصبر لله ويعف لله ويكتم لله وهذا لا يكون إلاّ مع قدرته على معشوقه وإيثار محبة الله وخوفه ورضاه وهذا أحق من دخل تحت قوله تعالى

وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فإن الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى

وتحت قوله تعالى

وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ

. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم إن يجعلنا ممن آثر وابتغى حبه ورضاه على هواه بذلك قربه ورضاه آمين.