وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال: إن الله عز وجل أرسل رسله، وأنزل كتبه، وخلق السموات والأرض ليعرف ويعبد ويوحد ويكون الدين كله لله، والطاعة كلها له، والدعوة له كما قال: تعالى
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ
وقال تعالى:
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ
وقال تعالى: الله
الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً
وقال تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا ...} الآية.
فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر: أن يعرف بأسمائه وصفاته، ويعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، كما قال تعالى:
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
. فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل ومن أعظم القسط التوحيد، بل هو رأس العدل وقوامه. وأن الشرك لظلم عظيم، والتوحيد أعدل العدل، فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له، وما كان أشد موافقة لهذا المقصود فهو أوجب الواجبات وأفرض الطاعات. فتأمل هذا الأصل حق التأمل واعتبر به تفاصيله تعرف به حكمة أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، فيما فرضه على عباده، وحرمه عليهم، وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي. فلما كان الشرك بالله منافيا بالذات لهذا المقصود كان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك، وأباح دمه وماله وأهله لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيدا لهم، لما تركوا القيام بعبوديته، وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملا، أو يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقبل فيها عثرة، فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله، حيث جعل له من خلقه ندا، وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية الظلم منه، وإن كان المشرك لم يظلم ربه، وإنما ظلم نفسه.
ووقعت مسألة، وهي: أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى أو أنه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلاّ بالوسائط والشفعاء، كحال الملوك، فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية، وإنما قصد تعظيمه، وقال: إنما أعبد هذه الوسائط لتقربني إليه وتدخلني عليه، فهو المقصود، وهذه وسائل وشفعاء، فلم كان هذا القدر موجبا لسخطه وغضبه تبارك وتعالى، ومخلدا في النار، وموجبا لسفك دماء أصحابه، واستباحة حريمهم وأموالهم؟. وترتب على هذا سؤال آخر، وهو: أنه هل يجوز أن يشرع الله سبحانه لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائط، فيكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع، أم ذلك قبيح في الفطر والعقول يمتنع أن تأتي به شريعة؟ بل جاءت الشرائع بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح؟ وما السبب في كونه لا يغفره من دون سائر الذنوب؟ كما قال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ
. فتأمل هذا السؤال، واجمع قلبك جوابه ولا تستهونه، فإن به يحصل الفرق بين المشركين والموحدين، والعالمين بالله والجاهلين به، وأهل الجنة وأهل النار. فتقول وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نسأل المعونة والتسديد, فإنه من يهده الله فلا مضلل له، ومن يضلل فلا هادي له، ولا مانع لما أعطى، ولا معطى لما منع. الشرك شركان: شرك بتعلق بذات المعبود، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
النوع الثاني شرك من جعل مع الله إلها آخر ولم يعطل أسماءه وربوبيته وصفاته كشرك النصارى الذي جعلوه ثلاثة, فجعلوا المسيح إلها، وأمه إلها. ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلي النور، وحوادث الشر إلى الظلمة.
ومن هذا شرك الذي حاج إبراهيم في ربه
إِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ
فهذا جعل نفسه ندا لله، يحيي ويميت بزعمه، كما يحيي الله ويميت، فألزمه إبراهيم عليه السلام أن طرد قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها، وليس هذا انتقالا كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزاما على طرد الدليل إن كان حقا. ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابا مدبرة لأمر هذا العالم كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم. ومن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم. ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أنه معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه، حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله سبحانه وتعالى، فتارة تكثر (الآلهة) الوسائط وتارة تقل.
وأما الشرك في العبادة: فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمرا، فانه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلاّ الله، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطى ولا يمنع إلاّ الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه تارة، وطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب,
وهذا الشرك في العبادة يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجبا، فإنه ينزله منزلة من لم يعلمه, فيعاقب على ترك الأمر، فان الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة، قال تعالى:
وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ
فمن لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتي به شيء غير المأمور به، فلا يصح، ويقبل منه, ويقول الله تعالى"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك معي فيه غيري، فهو للذي أشرك به، وأنا منه برئ". وهذا الشرك ينقسم إلي مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر، والنوع الأول: ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفور، فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم بأن يحب مخلوقا كما يحب الله، فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله
وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعتهم الجحيم
تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ
. ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والملك، والقدرة، وإنما سووهم به في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل، وهذا غاية الجهل والظلم، فكيف يسوي من خلق من التراب برب الأرباب؟ وكيف يسوي العبيد بمالك الرقاب؟ وكيف يسوي الفقير بالذات، الضعيف بالذات، العاجز بالذات، المحتاج بالذات، الذي ليس له من ذاته إلاّ العدم، بالغنى بالذات، القادر بالذات، الذي غناه، وقدرته، وملكه، وجوده، وإحسانه, وعلمه، ورحمته، وكماله المطلق التام من لوازم ذاته؟. فأي ظلم أقبح من هذا؟ وأي حكم أشد جورا منه؟ حيث عدل من لا عدل له بخلقه، كما قال تعالى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
فعدل المشرك من خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، فيا لك من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه.
ويتبع هذا الشرك به سبحانه في الأقوال، والأفعال، والإرادات، والنيات، فالشرك في الأفعال كالسجود لغيره, والطواف بغير بيته، وحلق الرأس لغيره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمين الله في الأرض، أو تقبيل القبور، واستلامها، والسجود لها، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من اتخذ القبور مساجد.
وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وفي الصحيح عنه:"إن من أشرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد". وفي الصحيح أيضا عنه:"أن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". وفي مسند الإمام أحمد رضي الله عنه، وصحيح ابن حبان عنه صلى الله عليه وسلم قال:"لعن الله زوارات القبور, والمتخذين عليها المساجد والسرج". وقال:"اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وقال:"أن من كان قبلكم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة". فهذا حال من سجد لله في مسجد على قبر، فكيف حال من سجد للقبر بنفسه؟ وقد قال: النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد"وقد حمى النبي صلى الله عليه وسلم جانب التوحيد أعظم حماية, حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها، لئلا يكون ذريعة إلى التشبه بعباد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسد الذريعة بأن منع الصلاة بعد العصر والصبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس. وأما السجود لغير الله فقال:"لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلاّ لله"و"لا ينبغي"في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم للذي هو في غاية الامتناع شرعا وقدرا،
ومن الشرك به سبحانه الشرك به في اللفظ، كالحلف بغيره، كما رواه أحمد وأبو داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من حلف بغير الله فقد أشرك"وصححه الحاكم وابن حبان. ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل:"ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده"وهذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة كقوله
لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ
فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلاّ الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، أو يقول: والله وحياة فلان، أو يقول: نذرا لله ولفلان، وأنا تائب لله ولفلان، أو أرجو الله وفلانا، ونحو ذلك؟ فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش؟ يتبين لك أن قائلها أولى لجواب النبي صلى الله عليه وسلم لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعل لله ندا فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من الأشياء- بل لعله أن يكون من أعدائه- ندا لرب العالمين، فالسجود والعبادة، والتوكل، والإنابة, والتقوى، والخشية، والحسب، والتوبة، والنذر، والحلف، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد,
💎 وفي مسند الإمام أحمد"أن رجلا أتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد أذنب ذنبا، فلما وقف بين يديه قال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، فقال: قد عرف الحق لأهله"
وأما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجو منه فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئا غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته. والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته. وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها وهي حقيقة الإسلام كما قال تعالى:
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
وهي ملة إبراهيم عليه السلام التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء.
إذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك الجواب عن السؤال المذكور، فنقول، ومن الله وحده نستمد الصواب. حقيقة الشرك: هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به، هذا هو التشبيه في الحقيقة، لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله الله صلى الله عليه وسلم، فعكس من نكس الله قلبه، وأعمى عين بصيرته، وأركسه بكسبه الأمر وجعل التوحيد تشبيها، والتشبيه تعظيما وطاعة، فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية. فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع.
فمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات. ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه. وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون له وحده، ويمنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره، فمن جعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله. ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه الرحمة. ومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب، مع غاية الذل، هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين، فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه. وهذا من المحال أن تأتي به شريعة من الشرائع، وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل، ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم، وأفسدتها عليهم واجتالتهم عنها، ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى وهم الذين غنموا السلامة وفازوا بالغنيمة.
إذا عرف هذا فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به. ومنها: التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به. ومنها: التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به. ومنها: الحلف باسمه تعظيما وإجلاله، فمن حلف بغيره فقد شبهه به. هذا في جانب التشبيه. وأما في جانب التشبه به: فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء واستعانة فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وهو حقيقة بأن ويذله غاية الهوان، ويذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه.
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال:"يقول الله عز وجل: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما عذبته"وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة لتشبه بالله في مجرد الصنعة، فما الظن بالتشبه بالله في الربوبية والالهية؟ كما قال: النبي صلى الله عليه وسلم:"أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون، يقال لهم أحيوا ما خلقتم". وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة"فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منهما وأكبر. والمقصود: أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة، فكيف حال من تشبه به في صفات الربوبية؟
وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أن أخنع الأسماء عند الله رجل يسمى: بشاهان شاه- ملك الملوك- لا ملك إلاّ الله"وفي لفظ"أغيظ الله رجل يسمى بملك الأملاك". فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلاّ له، فهو سبحانه ملك الملوك وحده وهو حاكم الحكام وحده، فهو الذي يحكم الحكام كلهم, ويقضي عليهم كلهم، لا غيره.
إذا تبين هذا فهاهنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به، فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس، فظن به ما يناقض أسماؤه وصفاته، ولهذا توعد الله سبحانه الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى:
عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً
وقال تعالى: لمن أنكر صفة من صفاته
وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ
. وقال تعالى: عن خليله إبراهيم إنه قال: لقومه
مَاذَا تَعْبُدُونَ أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ
أي فما ظنكم أي يجازيكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره وماذا ظننتم به حتى عبدتم معه غيره؟ وماظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره؟ فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم, وهو على كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه,
يوضع هذا: أن العابد معظم لمعبوده، متأله له، خاضع ذليل له، ورب تعالى وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والجلال والتأله والتذلل والخضوع، وهذا خالص حقه، فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه لغيره، أو يشرك بينه وبينه فيه، ولا سيما الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه، كما قال تعالى:
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
الآية أي إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريك له في رزقه، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا به متفرد به وهو الإلهية، التي لا تنبغي لغيري، ولا تصح لسواي؟ فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدري، ولا عظمني حق عظمتي، ولا أفردني بما أنا منفرد به وحدي دون خلقي فما قدر الله بحق قدره من عبد معه غيري,
وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه لم يرسل إلى خلقه رسولا، ولا أنزل كتابا، بل نسبه إلى مال يليق به ولا يحسن منه من إهمال خلقه وتضييعهم وتركهم سدي، وخلقهم باطلا عبثا، وكذا ما قدره حق قدره من نفي حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فنفى سمعه وبصره وإرادته واختياره وعلوه فوق خلقه، وكلامه وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريد، ونفى عموم قدرته وتعلقها بأفعال عباده من طاعتهم ومعاصيهم، فأخرجها عن قدرته ومشيئته وخلقه، وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاءون بدون مشيئة الرب، فيكون في ملكه مالا يشاء، ويشاء مالا يكون، فتعالى الله عن قوله أشباه المجوس علوا كبيرا. وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه يعاقب عبده على مالا يفعله عبد، ولا له عليه قدرة، ولا تأثير له فيه البتة، بل هو نفس فعل الرب جل جلاله، فيعاقب عبده على فعله هو سبحانه الذي جبر العبد عليه، وجبره على الفعل أعظم من إكراه المخلوق للمخلوق، وإذا كان من المستقر في الفطر والعقول أن السيد لو أكره عبده على فعل ثم عاقبه عليه لكان قبيحا في بداهة العقل، فكيف بحكم أعدل العادلين؟.
وكذلك ما قدره حق قدره من لم يصنه عن نتن ولا حش ولا مكان يرغب عن ذكره، بل جعله في كل مكان، وصانه عن عرشه أن يكون مستويا عليه
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
وتعرج الملائكة والروح إليه، وتنزل من عنده
يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ
فصانه عن استوائه على سرير الملك، ثم جعله في كل مكان يأنف الإنسان، بل غيره من الحيوان، أن يكون فيه، وما قدر الله حق قدره من نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته، ولا من نفي حقيقة حكمته التي هي الغابات المحمودة المقصودة بفعله، ولا من نفى حقيقة فعله، ولم يجعل له فعلا اختياريا يقوم به، بل أفعاله مفعولات منفصلة عنه، فنفي حقيقة مجيئه وإتيانه واستوائه على عرشه، وتكليمه موسى من جانب الطور، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه، إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفوها، وزعموا أنهم ينفيها قد قدروه حق قدره. وكذلك لم يقدره حق قدره من جعل له صاحبة وولدا، وجعله سبحانه يحل في جميع مخلوقاته، أو جعله عين هذا الوجود. وكذلك لم يقدره حق قدره من قال: إنه رفع أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأعلى ذكرهم، وجعل الله فيهم الملك والخلافة والعز، ووضع أولياءه وأولياء رسوله وأهل بيته وأهانهم وأذلهم.
وهذا القول مشتق من قول اليهود والنصارى في رب العالمين: إنه أرسل ملكا ظالما، فادعى النبوة لنفسه، وكذب على الله، ومكث زمانا طويلا يكذب عليه كل وقت، ويقول: قال: الله كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وينسخ شرائع أنبيائه ورسله، ويستبيح دماء أتباعهم وأموالهم وحريمهم، ويقول: الله أباح لي ذلك، والرب تعالى يظهره ويؤيده ويعليه، ويعزه ويجيب دعواته، ويمكنه ممن يخالفه، ويقيم الأدلة على صدقه، ولا يعاديه أحد إلا ظفر به، فيصدقه بقوله وفعله وتقريره، وتحدث أدلة تصديقه شيئا بعد شيء. ومعلوم أن هذا يتضمن أعظم القدح والطعن في الرب سبحانه وتعالى وعلمه، وحكمته وحمده وربوبيته، تعالى الله عن قول الجاحدين علوا كبيرا. فوازن بين قول هؤلاء وقول إخوانهم من الرافضة تجد القولين، كما قال: الشاعر: رضيعي لبان ثدي أم تقاسما بأسحم داج عوض لا يتفرق وكذلك لم يقدره حق قدره من قال: أنه يجوز أن يعذب أولياءه ومن لم يعصه طرفة عين ويدخلهم دار الجحيم، وينعم أعداءه ومن لم يؤمن به طرفه عين ويدخلهم دار النعيم، وأن كل الأمرين بالنسبة إليه سواء، وإنما الخبر المحض جاء عنه بخلاف ذلك، فمعناه للخبر لا للمخالفة حكمته وعدله، وقد أنكر سبحانه في كتابه على من جوز عليه ذلك غاية الإنكار، وجعل الحكم به من أسوء الأحكام.قال تعالى:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}
وكذلك لم يقدره حق قدره من زعم أنه لا يحيى الموتى، ولا يبعث من في القبور، ولا يجمع خلقه ليوم يجازى المحسن فيه بإحسانه والمسيء فيه بإساءته، ويأخذ للمظلوم فيه حقه من ظالمه، ويكرم للمتحملين للمشاق في هذه الدار من أجله وفي مرضاته بأفضل كرامته، ويبين لخلقه الذي يختلفون فيه، ويعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. وكذلك لم يقدره حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله، وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعته، فلله الفضلة من قلبه، وقوله وعلمه، هواه المقدم في ذلك لأنه المهم عنده، يستخف بنظر الله إليه واطلاعه عليه وهو في قبضته، وناصيته بيده، ويعظم نظر المخلوق إليه وإطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه، ويستحيى من الناس ولا يستحيى من الله، ويخشى الناس ولا يخشى الله, ويعامل الخلق بأفضل ما يقدر عليه، وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره، وإن قام في خدمة من يحبه من البشر قام بالجد والاجتهاد وبذل النصيحة، وقد افرغ له قلبه وجوارحه، وقدمه على كثير من مصالحه، حتى إذا قام في حق ربه -إن ساعد القدر- قام قياما لا يرضاه مخلوق من مخلوق مثله، وبذل له ما يستحي أن يواجه به مخلوق لمثله، فهل قدر الله حق قدره من هذا وصفه؟
فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله، وأنه لا يغفره بغير التوبة منه، وإنه يوجب الخلود في العذاب، وأنه ليس تحريمه وقبحه لمجرد النهى عنه، بل يستحيل على الله سبحانه أن يشرع لعباده إلها غيره، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كمال ونعوت جلاله، وكيف يظن بالمنفرد بالربوبية والإلهية والعظمة والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك، أو يرضي به؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فلما كان الشرك أكبر شيء منافاة للأمر الذي خلق الله له الخلق، أمر لأجله بالأمر، الذي كان من أكبر الكبائر عند الله، وكذلك الكبر وتوابعه كما تقدم، فإن الله سبحانه خلق الخلق، وأنزل الكتاب، لتكون الطاعة له وحده, والشرك والكبر ينافيان ذلك، وكذلك حرم الله الجنة على أهل الشرك والكبر ولا يدخلها من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر.
ويلي ذلك في كبر المفسدة: القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله. ووصفه بضد ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم فهذا أشد شيء منافاة ومناقضة لكمال من له الخلق والأمر، وقدح في نفس الربوبية وخصائص الرب، فإن صدر ذلك عن علم فهو عناد أقبح من الشرك وأعظم إثماً
فأين القدح في صفات الكمال والجحد لها من عبادة واسطة بين المعبود الحق وبين العابد يتقرب إليه بعبادة تلك الواسطة إعظاما له وإجلالا؟. فداء التعطيل هذا الداء العضال الذي لا دواء له. ولهذا حكى الله عن إمام المعطلة فرعون أنه أنكر على موسى ما أخبر به من أن ربه فوق السموات، فقال:
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً
. واحتج الشيخ وأبو الحسن الأشعري في كتبه على المعطلة بهذه الآية. وقد ذكرنا لفظه في غير هذا الكتاب، والقول على الله بلا علم والشرك متلازمان. ولما كانت البدع المضلة جهلا بصفات الله وتكذيبا بما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم عنادا وجهلا كانت من أكبر الكبائر، أن قصرت عن الكفر، وكانت أحب إلى إبليس من كبار الذنوب، كما قال: بعض السلف"البدعة أحب إلي إبليس من المعصية"لان المعصية يتاب منها والبدعة لايتاب منها وقال إبليس لعنه الله"أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلاّ الله، فلما رأيت ذلك ثبتت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا". ومعلوم أن المذنب إنما ضرره على نفسه وأما المبتدع فضرره على النوع، وفتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في الشهوة، والمبتدع قد قعد للناس على صراط الله المستقيم يصدهم عنه.
ثم لما كان الظلم والعدوان منافيان للعدل الذي قامت به السموات والأرض، وأرسل الله سبحانه رسله صلى الله عليه وسلم وأنزل كتبه ليقوم الناس به كان من أكبر الكبائر عند الله، وكانت درجته في العظمة بحسب مفسدته في نفسه, وكان قتل الإنسان ولده الطفل الصغير الذي لا ذنب له -وقد جبل الله سبحانه القلوب على محبته ورحمته وعطفها عليهم، وخص الوالدين من ذلك بمزية ظاهرة وقتله خشية أن يشاركه في مطعمه ومشربه وماله- من أقبح الظلم وأشده وكذلك قتله أبويه الذين كانا سبب وجوده، وكذلك قتله ذا رحمه، وتتفاوت درجات القتل بحسب قبحه وإستحقاق من قتله السعي في إبقائه ونصيحته، ولهذا كان أشد الناس عذابا يوم القيامة نبيا من قتل النبي أو قتله نبي ويليه من قتل إماما أو عالما يأمر الناس بالقسط، ويدعوهم إلى الله سبحانه، وينصحهم في دينهم، وقد جعل الله سبحانه جزاء قتل النفس المؤمنة عمدا الخلود في النار، وغضب الجبار، ولعنته وإعداد العذاب العظيم له، هذا موجب من قتل المؤمن عمدا ما لم يمنع منه مانع وهو التوبة والعمل الصالح والحسنات الماحية والمصائب المكفرة. ولا خلاف أن الإسلام الواقع بعد القتل طوعا واختيارا مانع من نفوذ ذلك الجزاء وهل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه؟ فيه قولان للسلف والخلف، وهما روايتان عن أحمد. والذين قالوا لا تمنع التوبة من نفوذه رأوا أنه حق لآدمي لم يستوفه في دار الدنيا، وخرج منه بظلامته، فلا بد أن يستوفى له في دار العدل. قالوا: وما استوفاه الوارث فإنما استوفى محض حقه الذي خيره الله بين القصاص والدية والعفو.
وهذا أصح القولين في المسألة أن حق المقتول لا يسقط باستيفاء الوارث، وهما وجهان لأصحاب أحمد و الشافعي وغيرهما. ورأت طائفة أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الوارث، فإن التوبة تهدم ما قبلها، والذنب الذي قد جناه قد أقيم عليه حده. قالوا: وإذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر، وهما أعظم إثماً من القتل، فكيف تقصر عن محو أثر القتلة؟ وقد قبل الله توبة الكفار الذين قتلوا أولياءه، وجعلهم من خيار عباده، ودعا الذين أحرقوا أولياءه وفتنوهم عن دينهم ودعاهم إلى التوبة. وقال تعالى
قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
فهذه في حق التائب وهي تتناول الكفر فما دونه. قالوا: وكيف يتوب العبد من الذنب ويعاقب عليه بعد التوبة؟ هذا معلوم انتفاؤه في شرع الله وجزائه. قالوا: وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه ولا يمكن تسليمها إلى المقتول فأقام الشارع وليه مقامه، وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول، بمنزلة تسليم المال الذي عليه لوارثه، فانه يقوم مقام تسليمه للموروث. والتحقيق في المسألة: أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله وحق للمظلوم المقتول, وحق للولى، فإذا سلم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الولي ما فعل، وخوفا من الله وتوبة نصوحا، يسقط حق الله بالتوبة، وحق الولي بالاستيفاء أو الصلح أو العفو. وبقى حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه، فلا يبطل حق هذا ولا تبطل توبة هذا.
وقالت طائفة بل المطالبة لمن ظلمه بأخذه باقية عليه يوم القيامة، وهو لم يستدرك ظلامته بأخذ وارثه له، فأنه منعه من انتفاعه به في طول حياته، ومات ولم ينتفع به. فهذا ظلم لم يستدركه، وإنما ينتفع به غيره باستدراكه, وبنوا على هذا أنه لو انتقل من واحد إلي واحد وتعدد الورثة. كانت المطالبة به للجميع، لأنه حق كان يجب عليه دفعه إلى كل واحد منهم عند كونه هو الوارث وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد. وفصل شيخنا رحمه الله بين الطائفتين، فقال: أن تمكن الموروث من أخذ ماله أو المطالبة به فلم يأخذه حتى مات، صارت المطالبة به للوارث في الآخرة، كما هي له كذلك في الدنيا، وإن لم يتمكن من طلبه وأخذه، بل حال بينه وبينه ظلما وعدوانا، فالطلب له في الآخرة. وهذا التفصيل من أحسن ما يقال، فإن المال إذا استهلكه الظالم على الموروث وتعذر عليه أخذه منه صار بمنزلة عبده الذي قتله قاتل، وداره التي أحرقها غيره، وطعامه وشرابه الذي أكله وشربه غيره، ومثل هذا إنما تلف على الموروث لا على الوارث، فحق المطالبة لمن تلف على ملكه، فيبقى أن يقال فإذا كان المال عقارا أو أرضا أو أعيانا قائمة باقية بعد الموت، فهي ملك للوارث يجب على الغاصب دفعها إليه كل وقت، وإذا لم تدفع إليه استحق المطالبة بها عند الله تعالى كما يستحق المطالبة بها في الدنيا. وهذا سؤال قوى لا مخلص منه إلاّ بان يقال: المطالبة لهما جمعيا، كما لو غصب مالا مشتركا بين جماعة استحق كل منهم المطالبة بحقه منه، وكما لو استولى على وقف مرتب على بطون فأبطل حق البطون كلهم منه كانت المطالبة يوم القيامة لجميعهم ولم يكن بعضهم أولى بها من بعض، والله أعلم.
ولما كانت مفسدة القتل هذه المفسدة، قال: الله تعالى
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
. وقد أشكل فهم هذا على كثير من الناس، وقالوا: معلوم أن إثم قاتل مائة أعظم عند الله من إثم قاتل نفس واحدة, وإنما أتوا من ظنهم أن التشبيه في مقدار الإثم والعقوبة، واللفظ يدل على هذا، ولا يوم من تشبيه الشيء بالشيء بجميع أحكامه وقد قال تعالى:
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا
وقال تعالى:
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ
وذلك لا يوجب أن لبثهم في الدنيا إنما كان هذا المقدار. وقد قال: النبي صلى الله عليه وسلم"من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله"أي مع العشاء كما جاء في لفظ آخر. وأصرح من هذا قوله"من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر". وقوله صلى الله عليه وسلم"من قرأ: قل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن ومعلوم"أن ثواب فاعل هذه الأشياء لم يبلغ ثواب المشبه به، فيكون قدرها سواء، ولو كان قدر الثواب سواء لم يكن لمصلى الفجر والعشاء في جماعة في قيام الليل منفعة غير التعب والنصب وما أوتي أحد -بعد الإيمان- أفضل من الفهم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فإن قيل: ففي أي شيء وقع التشبيه بين قاتل نفس واحدة وبين قاتل الناس جميعا؟ قيل، في وجوه متعددة: أحدها: أن كل واحد منهما عاص لله ورسوله صلى الله عليه وسلم مخالف لأمره,
الثاني: أنهما سواء في استحقاق إزهاق النفس. الثالث: أنهما سواء في الجراءة على سفك الدم الحرام، فإن من قتل نفسا بغير استحقاق بل لمجرد الفساد في الأرض أو لأخذ ماله، فأنه يجترئ على من قتل كل من ظفر به وأمكنه قتله, فهو معاد للنوع الإنساني. ومنها: أنه يسمي قاتلا أو فاسقا أو ظالما أو عاصيا بقتله واحدا، كما يسمي كذلك بقتله الناس جميعا. ومنها: أن الله سبحانه جعل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم وتواصلهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوا تداعي له سائر الجسد بالحمى والسهر. فإذا أتلف القاتل عضوا من ذلك الجسد فكأنما أتلف سائر الجسد، وآلم جميع أعضائه، فمن آذي مؤمنا واحدا فقد آذى جميع المؤمنين، وفي أذي جميع المؤمنين أذى جميع الناس، فإن الله يدافع عن الناس بالمؤمنين الذين بينهم، فإيذاء الخفير إيذاء المخفور. وقد قال: النبي صلى الله عليه وسلم"لا تقتل نفس ظلما بغير حق إلاّ كان على ابن آدم الأول كفل منها"لأنه أول من سن القتل، ولم يجيء هذا الوعيد في أول زان ولا أول سارق ولا أول شارب مسكر. وإن كان أول المشركين قد يكون أولى بذلك من أول قاتل، لأنه أول من سن الشرك، ولهذا رأي النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن لحي الخزاعي يعذب أعظم العذاب في النار، لأنه أول من غير دين إبراهيم عليه السلام. وقد قال تعالى:
وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ
وفي جامع الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دما، يقول: يا رب، سل هذا: فيما قتلني؟ فذكروا لابن عباس التوبة, فتلا هذه الآية
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا
ثم قال:"ما نسخت هذه الآية ولا بدلت وأنى له التوبة؟"قال: الترمذي هذا حديث حسن. وفيها أيضاً: عن نافع قال"نظر عبد الله بن عمر يوماً إلى الكعبة، قال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن عند الله أعظم حرمة منك". قال: هذا حديث حسن. وفي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب قال:"أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن استطاع منكم أن لا يأكل إلاّ طيبا فليفعل، ومن استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة ملأ كف من دم أهراقه فليفعل". وفي صحيح البخاري أيضا عن ابن عمر قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما". وذكر البخاري أيضا عن ابن عمر قال:"من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله". وفي الصحيحين عن أبي هريرة يرفعه"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر". وفيهما أيضا عنه صلى الله عليه وسلم"لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض".
هذه عقوبة قاتل عدو الله إذا كان معاهدا في عهده وأمانه فكيف بعقوبة قاتل عبده المؤمن وإذا كانت امرأة قد دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعا وعطشا فرآها النبي صلى الله عليه وسلم في النار والهرة تخدشها في وجهها وصدرها فكيف عقوبة من حبس مؤمنا حتى مات بغير جرم وفي بعض السنن عنه صلى الله عليه وسلم لزوال الدنيا عند الله خير من قتل مؤمن بغير حق