فصل 1

ومن أعظم عقوباتها: أنها توجب القطيعة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى وإذا وقعت القطيعة انقطعت عنه أسباب الخير واتصلت به أسباب الشر فأي فلاح وأي رجاء وأي عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير وقطع ما بينه وبين وليه ومولاه الذي لا غنى عنه طرفة عين ولا بدل له منه ولا عوض له عنه واتصلت به أسباب الشر ووصل ما بينه وبين أعدى عدو له فتولاه عدوه وتخلى عنه وليه؟ فلا تعلم نفس ما في هذا الانقطاع والاتصال من أنواع الآلام وأنواع العذاب قال بعض السلف: رأيت العبد ملقى بين الله سبحانه وبين الشيطان فإن أعرض الله عنه تولاه الشيطان وإن تولاه الله لم يقدر عليه الشيطان وقد قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}

ويشبه أن يكون تحت هذا الخطاب نوع من العتاب لطيف عجيب وهو أني عاديت إبليس إذ لم يسجد لأبيكم آدم مع ملائكتي فكانت معاداته لأجلكم ثم كان عاقبة هذه المعاداة أن عقدتم بينكم وبينه عقد المصالحة.

فصل 2

ومن عقوباتها: أنها تمحق بركة العمر وبركة الرزق وبركة العلم وبركة العمل وبركة الطاعة. وبالجملة تمحق بركة الدين والدنيا فلا تجد أقل بركة في عمره ودينه

وفي الحديث: "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته وإن الله جعل الروح والفرح في الرضى واليقين وجعل الهم والحزن في الشك والسخط". وقد تقدم الأثر الذي ذكره أحمد في كتاب الزهد "أنا الله إذا رضيت باركت وليس لبركتي منتهى وإذا غضبت لعنت ولعنتي تدرك السابع من الولد" وليست سعة الرزق والعمل بكثرته ولا طول العمر بكثرة الشهور والأعوام ولكن سعة الرزق والعمر بالبركة فيه. وقد تقدم أن عمر العبد هو مدة حياته ولا حياة لمن أعرض عن الله واشتغل بغيره بل حياة البهائم خير من حياته فإن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره ومحبته وعبادته وحده أو الإنابة إليه والطمأنينة بذكره والأُُنس بقربه ومن فقد هذه الحياة فقد الخير كله ولو تعوض عنها بما تعوض مما في الدنيا بل ليست الدنيا بأجمعها عوضا عن هذه الحياة فمن كل شيء يفوت العبد عوض وإذا فاته الله لم يعوض عنه شيء البتة وكيف يعوض الفقير بالذات عن الغنى بالذات والعاجز بالذات عن القادر بالذات والميت عن الحي الذي لا يموت والمخلوق عن الخالق ومن لا وجود له ولا شيء له إلا به

وإنما كانت معصية الله سببا لمحق بركة الرزق والأجل لأن الشيطان موكل بها وبأصحابها فسلطانه عليهم وحوالته على هذا الديون وأهله وأصحابه وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه فبركته ممحوقة ولهذا شرع ذكر اسم الله تعالى عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع لما في مقارنة اسم الله من البركة وذكر اسمه يطرد الشيطان فتحصل البركة ولا معارض لها وكل شيء لا يكون لله فبركته منزوعة فإن الرب هو الذي يبارك وحده والبركة كلها منه وكل ما نسب إليه مبارك فكلامه مبارك ورسوله مبارك وعبده المؤمن النافع لخلقه مبارك وبيته الحرام مبارك وكنانته من أرضه وهى الشام أرض البركة وصفها بالبركة في ست آيات من كتابه فلا مبارك إلا هو وحده ولا مبارك إلا ما نسب إليه أعني إلى ألوهيته ومحبته ورضاه وإلا فالكون كله منسوب إلى ربوبيته وخلقه وكل ما باعده من نفسه من الأعيان والأقوال والأعمال فلا بركة فيه ولا خير فيه وكل ما كان قريبا من ذلك ففيه من البركة على حسب قدر قربه منه. وضد البركة اللعنة فأرض لعنها الله أو شخص لعنه الله أو عمل لعنه الله أبعد شيء من الخير والبركة وكلما اتصل بذلك وارتبط به وكان منه بسبيل فلا بركة فيه البتة وقد لعن عدوه إبليس وجعله أبعد خلقه منه فكل ما كان من جهته فله من لعنة الله بقدر قربه منه واتصاله به فمن هاهنا كان للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق والعلم والعمل وكل وقت عصيت الله فيه أو مال عصي الله به أو بدن أو جاه أو علم أو عمل فهو على صاحبه ليس له فليس له من عمره وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله إلا ما أطاع الله به.

وفي الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم: " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله" هذا هو الذي فيه البركة خاصة والله المستعان.

فصل 3

ومن عقوباتها: أنها تجعل صاحبها من السفلة بعد أن كان مهيئا لأن يكون من العلية فإن الله خلق خلقه قسمين: علية وسفلة وجعل عليين مستقر العلية وأسفل سافلين مستقر السفلة وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة وأهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة كما جعل أهل طاعته أكرم خلقه عليه وأهل معصيته أهون خلقه عليه وجعل العزة لهؤلاء والذلة والصغار لهؤلاء كما في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بعثت بالسيف بين يدي الساعة وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعلت الذل والصغار على من خالف أمري" فكلما عمل العبد معصية نزل إلى أسفل درجة ولا يزال في نزول حتى يكون من الأسفلين وكلما عمل طاعة ارتفع بها درجة ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من الأعلين وقد يجتمع للعبد في أيام حياته الصعود من وجه والنزول من وجه وأيهما كان أغلب عليه كان من أهله فليس من صعد مائة درجة ونزل درجة واحدة كمن كان بالعكس. ولكن يعرض هاهنا للنفوس غلط عظيم وهو أن العبد قد ينزل نزولا بعيدا

فأي صعود يوازي هذه المنزلة؟ والنزول أمر لازم للإنسان ولكن من الناس من يكون نزوله إلى غفلة فهذا متى استيقظ من غفلته عاد إلى درجته أو إلى أرفع منها بحسب يقظته.ومنهم من يكون نزوله إلى مباح لا ينوي به الاستعانة على الطاعة فهذا متى رجع إلى الطاعة فقد يعود إلى درجته وقد لا يصل إليها وقد يرتفع عنها فإنه قد يعود أعلى همة مما كان وقد يكون أضعف همة وقد تعود همته كما كانت. ومنهم من يكون نزوله إلى معصية إما صغيرة أو كبيرة فهذا يحتاج في عودة إلى توبة نصوح وإنابة صادقة. واختلف الناس: هل يعود بعد التوبة إلى درجته التي كان فيها بناء على أن التوبة تمحو أثر الذنب وتجعل وجوده كعدمه فكأنه لم يكن أو لا يعود بناء على أن التوبة تأثيرها في إسقاط العقوبة وأما الدرجة التي فاتته فإنه لا يصل إليها. قالوا: وتقرير ذلك أنه كان مستعدا باشتغاله بالطاعة في الزمن الذي عصى فيه لصعود آخر وارتفاعه تحمله أعماله السالفة بمنزلة كسب الرجل كل يوم بجملة ماله الذي يملكه وكلما تضاعف المال تضاعف الربح فقد راح عليه في زمن المعصية ارتفاع وربح بجملة أعماله فإذا استأنف العمل استأنف صعودا من نزول وكان قبل ذلك صاعدا من أسفل إلى أعلى وبينهما بون عظيم.

وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين الطائفتين حكما مقبولا فقال: التحقيق أن من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته ومنهم من يعود إلى من مثل درجته ومنهم من لا يصل إلى درجته ومنهم من يعود إلى درجته. قلت: وهذا بحسب قوة التوبة وكمالها وما أحدثته المعصية للعبد من الذل والخضوع والإنابة والحذر والخوف من الله والبكاء من خشية الله فقد تقوى هذه الأمور حتى يعود التائب إلى أرفع من درجته ويصير بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة فهذا قد تكون الخطيئة في حقه رحمة فإنها نفت عنه داء العجب وخلصته من ثقته بنفسه وإدلاله بأعماله ووضعت خد ضراعته وذله وانكساره على عتبة باب سيده ومولاه وعرفته قدره وأشهدته فقره وضرورته إلى حفظ سيده ومولاه له وإلى عفوه عنه ومغفرته له وأخرجت من قلبه صولة الطاعة وكسرت أنفه من أن يشمخ بها أو يتكبر بها أو يرى نفسه بها خيرا من غيره وأوقفته بين يدي ربه موقف الخطائين المذنبين ناكس الرأس بين يدي ربه مستحييا منه خائف وجلا محتقرا لطاعته مستعظما لمعصيته عرف نفسه بالنقص والذم وربه متفرد بالكمال والحمد والوفاء كما قيل:

استأثر الله بالوفاء وبالحمد وولى الملامة الرجلا

فأي نعمة وصلت من الله إليه استكثرها على نفسه ورأى نفسه دونها ولم يرها أهلا لها وأي نقمة أو بلية وصلت إليه رأي نفسه أهلا لما هو أكبر منها ورأى مولاه قد أحسن إليه إذا لم يعاقبه على قدر جرمه ولا شطره ولا أدنى جزء منه فإن ما يستحقه من العقوبة لا تحمله الجبال الراسيات فضلا عن هذا الجسم الضعيف.

فتأمل ختم هذه الآية باسمين من أسمائه وهما "الحليم والغفور" كيف تجد تحت ذلك أنه لولا حلمه عن الجناة ومغفرته للعصاة لما استقرت السموات والأرض؟ وقد أخبر سبحانه عن كفر بعض عباده أنه

تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً

. وقد أخرج الله سبحانه الأبوين من الجنة بذنب واحد ارتكباه وخالفا فيه نهيه ولعن إبليس وطرده وأخرجه من ملكوت السموات والأرض بذنب واحد ارتكبه وخالف فيه أمره ونحن معاشر الحمقى كما قيل:

نصل الذنوب إلى الذنوب ونرتجى درج الجنان لذي النعيم الخالد
لقد علمنا أخرج الأبوين من ملكوتها الأعلى بذنب واحد

والمقصود: أن العبد قد يكون بعد التوبة خيرا مما كان قبل الخطيئة وأرفع

هذا كله إذا كان نزوله إلى معصية فإن كان نزوله إلى أمر يقدح في أصل إيمانه مثل الشكوك والريب والنفاق فذاك نزول لا يرجى لصاحبه صعود إلا بتجديد إسلامه.

فصل 4

ومن عقوباتها: أنها تجترئ على العبد من لم يكن يجترئ عليه من أصناف المخلوقات فتجترئ عليه الشياطين بالأذى والإغواء والوسوسة والتخويف والتحزين وإنسائه ما به مصلحته في ذكره ومضربه في نسيانه فتجترئ عليه الشياطين حتى تؤزه إلى معصية الله أزا وتجترئ عليه شياطين الإنس بما تقدر عليه من الأذى في غيبته وحضوره وتجترئ عليه أهله وخدمه وأولاده وجيرانه حتى الحيوان البهيم. قال بعض السلف: إني لأعصى الله فأعرف ذلك في خلق امرأتي ودابتي وكذلك يجترئ عليه أولياء بالعقوبة التي إن عدلوا فيها أقاموا عليه حدود الله وتجترئ عليه نفسه فتتأسد عليه وتستضعف عليه فلو أرادها لخير لم تطاوعه ولم تنقد له وتسوقه إلى ما فيه هلاكه شاء أم أبى وذلك أن الطاعة حصن الرب تبارك وتعالى الذي من دخله كان من الآمنين فإذا فارق الحصن اجترأ عليه قطاع الطريق وغيرهم وعلى حسب اجترائه على معاصي الله يكون اجتراء هذه الآفات والنفوس عليه وليس شيء يرد عنه فإن ذكر الله وطاعته والصدقة وإرشاد الجاهل والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فإنها حصن الله الذي من دخله كان من الآمنين.

فصل 5

ومن عقوباتها: أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه فإن كل أحد يحتاج إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده وأعلم الناس أعرفهم بذلك على التفصيل وأقواهم وأكيسهم من قوى على نفسه وإرادته فاستعملها فيما ينفعه وكفها عما يضره وفي ذلك تفاوت معارف الناس وهممهم ومنازلهم فأعرفهم من كان عارفا بأسباب السعادة والشقاوة وأرشدهم من آثر هذه على هذه كما أن أسفههم من عكس الأمر والمعاصي تخون العبد أحوج ما كان إلى نفسه في تحصيل هذا العلم وإيثار الحظ الأشرف العالي الدائم على الحظ الخسيس الأدنى المنقطع فتحجبه الذنوب عن كمال هذا العلم وعن الاشتغال بما هو أولى به وأنفع له في الدارين فإذا وقع مكروه واحتاج إلى التخلص منه خانه قلبه ونفسه وجوارحه وكان بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الصدأ ولزم قرابه بحيث لا ينجذب مع صاحبه إذا جذبه فعرض له عدو يريد قتله فوضع يده على قائم سيفه واجتهد ليخرجه فلم يخرج معه فدهمه العدو وظفر به كذلك القلب يصدأ بالذنوب ويصير مثخنا بالمرض فإذا احتاج إلى محاربة العدو لم يجد معه منه شيئا والعبد إنما يحارب ويصاول ويقدم بقلبه والجوارح تبع للقلب فإذا لم يكن عند ملكها قوة يدفع به فما الظن بها؟ وكذلك النفس فإنها تخبث بالشهوات والمعاصي وتضعف وأعني بضعفها أن تضعف عن مقاومة العدو.

والمقصود: أن العبد إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه وجوارحه عما هو أنفع شيء له فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله تعالى والإنابة إليه والجمعية عليه والتضرع والتذلل والانكسار بين يديه ولا يطاوعه لسانه لذكره وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه فلا ينحبس القلب على اللسان بحيث يؤثر فيه الذكر ولا ينحبس اللسان المذكور بل إن ذكر أو دعا ذكر بقلب غافل لاه ساه غافل ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له ولم تطاوعه وهذا كله أثر الذنوب والمعاصي كمن له جند يدفعون عنه الأعداء فأهمل جنده وضيعهم وأضعفهم وقطع أخبارهم ثم أراد منهم عند هجوم العدو عليه أن يستفرغوا وسعهم في الدفع عنه بغير قوة هذا وثم أمر أخوف من ذلك وأدهى منه وأمر وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى فربما تعذر عليه النطق بالشهادة كما شاهد الناس كثيرا من المحتضرين أصابهم ذلك حتى قيل لبعضهم: قل "لا إله إلا الله" فقال: آه آه لا أستطيع أن أقولها وقيل لآخر: قل "لا إله إلا الله" فقال: شاه رخ غلبنك ثم قضى وقيل لآخر: قل "لا إله إلا الله" فقال:

يارب قائلة يوما وقد تعبت: كيف الطريق إلى حمام منجاب

ثم قضى وقيل لآخر: قل "لا إله إلا الله" فجعل يهذي بالغناء ويقول:

وسبحان الله كم شاهد الناس من هذا عبرا؟ والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم فإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن منه الشيطان واستعمله بما يريده من معاصي الله وقد أغفل قلبه عن ذكر الله تعالى وعطل لسانه من ذكره وجوارحه عن طاعته فكيف الظن به عند سقوط قواه واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع؟ وجمع الشيطان له كل قوته وهمته وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه فرصته فإن ذلك آخر العمل فأقوى ما يكون عليه شيطانه ذلك الوقت وأضعف ما يكون هو في تلك الحال فمن ترى يسلم على ذلك فهناك:

يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ

فكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا؟ فبعيد من قلبه من الله تعالى غافل عنه متعبد لهواه أسير لشهواته ولسانه يابس من ذكره وجوارحه معطلة من طاعته مشتغلة بمعصيته أن يوفق للخاتمة بالحسنى.

يا آمنا من قبح الفعل منه أهل أتاك توقيع أمن أنت تملكه؟
جمعت شيئين أمنا واتباع هوى هذا وإحداهما في المرء تهلكه
والمحسنون على درب المخاوف قد ساروا وذلك درب لست تسلكه
فرطت في الزرع وقت البذر من سفه فكيف عند حصاد الناس تدركه؟
هذا وأعجب شيء فيك زهدك في دار البقاء بعيش سوف تتركه
من السفيه إذا بالله؟ أنت أم المغبون في البيع غبنا سوف تدركه؟

فصل 6

ومن عقوباتها: أنها تعمي القلب فإن لم تعمه أضعفت بصيرته ولا بد وقد تقدم بيان أنها تضعفه ولابد فإذا عمي القلب وضعف فاته من معرفة الهدى وقوته على تنفيذه في نفسه وفي غيره بحسب ضعف بصيرته وقوته فإن الكمال الإنساني مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل وإيثاره عليه وما تفاوتت منازل الخلق عند الله تعالى في الدنيا والآخرة إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين وهما اللذان أثنى الله سبحانه على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام بهما في قوله تعالى:

وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ

فالأيدي: القوة في تنفيذ الحق والأبصار: البصائر في الدين فوصفهم بكمال إدراك الحق وكمال تنفيذه وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام فهؤلاء أشرف الأقسام من الخلق وأكرمهم على الله تعالى. القسم الثاني: عكس هؤلاء من لا بصيرة له في الدين ولا قوة على تنفيذه، وهؤلاء شر الخلق.

القسم الثالث: من له بصيرة في الهدى ومعرفة به لكنه ضعيف لا قوة له على تنفيذه ولا الدعوة إليه وهذا حال المؤمن الضعيف والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله منه. القسم الرابع: من له قوة وهمة وعزيمة لكنه ضعيف البصيرة في الدين لا يكاد يميز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان بل يحسب كل سوداء تمرة وكل بيضاء شحمة يحسب الورم شحما والدواء النافع سما. وليس في هؤلاء من يصلح للإمامة في الدين ولا هو موضعا لها سوى القسم الأول قال الله تعالى:

وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ

فأخبر سبحانه أن بالصبر واليقين نالوا الإمامة في الدين وهؤلاء هم الذين استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين وأقسم بالعصر الذي هو زمن سعى الخاسرين والرابحين على أن من عداهم فهو من الخاسرين فقال تعالى:

وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ

ولم يكتف منهم بمعرفة الحق والصبر عليه حتى يوصي بعضهم بعضا به ويرشده إليه ويحثه عليه. وإذا كان من عدا هؤلاء خاسرا فمعلوم أن المعاصي والذنوب تعمي بصيرة القلب فلا يدرك الحق كما ينبغي وتضعف قوته وعزيمته فلا يصبر عليه بل قد تتوارد على القلب حتى ينعكس إدراكه حتى ينعكس سيره فيدرك سيره

وهذا كما أن الطاعة تنور القلب وتجلوه وتصقله وتقويه وتثبته حتى يصير كالمرآة المجلوة في جلائها وصفائها فيتملىء نورا فإذا دنا الشيطان منه أصابه من نور ما يصيب مسترق السمع من الشهب الثواقب فالشيطان يفرق من هذا القلب أشد من فرق الذئب من الأسد حتى إن صاحبه ليصرع الشيطان فيخر صريعا فيجتمع عليه الشياطين فيقول بعضهم لبعض: ما شأنه؟ فتقول: أصابه إنسي وبه نظرة من الإنس:

فيا نظرة من قلب حر منور يكاد لها الشيطان بالنور يحرق

أفيستوي هذا القلب وقلب مظلم أرجاؤه مختلفة أهواؤه قد اتخذه الشيطان وطنه وأعده مسكنه إذا تصبَّح بطلعته حياه وقال: فديت من لا يفلح في دنياه ولا في أخراه؟ :

أنا قرينك في الدنيا وفي الحشر بعدها فأنت قرين لي بكل مكان
فإن كنت في دار الشقاء فإنني وأنت جميعا في شقا وهوان

قال الله تعالى:

وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ

رضيعا لبان ثدي أم تقاسما بأسحم داج عوض لا نتفرق

ثم أخبر سبحانه أن الشيطان يصد قرينه ووليه عن سبيله الموصل إليه وإلى جنته ويحسب هذا الضال المضل المصدود أنه على طريق هدى حتى إذا جاء القرينان يوم القيامة يقول أحدهما للآخر: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين كنت لي في الدنيا أضللتني عن الهدى بعد إذ جاءني وصددتنى عن الحق وأغويتني حتى هلكت وبئس القرين أنت لي اليوم. ولما كان المصاب إذا شاركه غيره في مصيبته حصل له بالتأسي نوع تخفيف وتسلية أخبر الله سبحانه أن هذا غير موجود وغير حاصل في حق المشتركين في العذاب وأن القرين لا يجد راحة ولا أدنى فرح بعذاب قرينه معه وإن كانت المصائب في الدنيا إذا عمت صارت مسلاة كما قالت الخنساء في أخيها صخر:

فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي

فمنع الله سبحانه هذا القدر من الراحة على أهل النار فقال:

وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ

ومن عقوباتها: أنها مدد من الإنسان يمد به عدوه عليه وجيش يقويه به على حربه وذلك أن الله سبحانه ابتلى هذا الإنسان بعدو لا يفارقه طرفة عين ولا ينام عنه ولا يغفل عنه يراه هو وقبيله من حيث لا يراه يبذل جهده في معاداته في كل حال ولا يدع أمر يكيده به يقدر على إيصاله إليه إلا أوصله ويستعين عليه ببني جنسه من شياطين الجن: وغيرهم من شياطين الإنس: فقد نصب له الحبائل وبغى له الغوائل ومدحوله الأشراك ونصب له الفخاخ والشباك وقال لأعوانه: دونكم عدوكم وعدو أبيكم لا يفوتكم ولا يكون حظه الجنة وحظكم النار ونصيبه الرحمة ونصيبكم اللعنة وقد علمتم أن ما جرى عليّ وعليكم من الخزي واللعن والإبعاد من رحمة الله بسببه ومن أجله فابذلوا جهدكم أن يكونوا شركاءنا في هذه البلية إذ فاتتنا شركة صالحيهم في الجنة وقد أعلمنا الله سبحانه بذلك كله من عدونا وأمرنا أن نأخذ له أهبته ونعد له عدته. ولما علم سبحانه أن آدم وبنيه قد بلوا بهذا العدو وقد سلط عليهم أمدهم بعساكر وجند يلقونه بها وأمد عدوهم أيضا بجند وعساكر يلقاهم به وأقام سوق الجهاد في هذه الدار في مدة العمر التي هي بالإضافة إلى الآخرة كنفس واحد من أنفاسها واشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وأخبر أن ذلك وعد مؤكد عليه في أشرف كتبه وهي التوراة والإنجيل والقرآن وأخبر أنه لا أوفى بعهده منه سبحانه ثم أمرهم أن يستبشروا بهذه الصفقة التي من أراد أن يعرف قدرها فلينظر إلى المشتري من هو؟ وإلى الثمن المبذول في هذه السلعة وإلى من جرى على يديه هذا العقد فأي فوز أعظم من هذا؟ وأي تجارة أربح منه؟

ثم أمده سبحانه بجند آخر من وحيه وكلامه فأرسل إليه رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل إليه كتابه فازداد قوة إلى قوته ومددا إلى مدده وعدة إلى عدته وأيده مع ذلك بالعقل وزيرا له ومدبرا وبالمعرفة مشيرة عليه ناصحة له وبالإيمان مثبتا له ومؤيدا وناصرا وباليقين كاشفا له عن حقيقة الأمر حتى كأنه يعاين ما وعد الله تعالى أولياءه وحزبه على جهاد أعدائه فالعقل يدبر أمر جيشه والمعرفة تصنع له أمور الحرب وأسبابها ومواضعها اللائقة بها والإيمان يثبته ويقويه ويصبره واليقين يقدم به ويحمل به الحملات الصادقة ثم أمد سبحانه القائم بهذا الحرب بالقوى الظاهرة والباطنة فجعل العين جاسوساً والأذن رقيباً واللسان ترجماناً.

وعلم سبحانه عباده كيفية هذا الحرب والجهاد فجمعها لهم في أربع كلمات فقال:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

ولا يتم أمر هذا الجهاد إلا بهذه الأمور الأربعة فلا يتم له الصبر إلا بمصابرة العدو وهو مقاومته ومنازلته فإذا صابر عدوه احتاج إلى أمر آخر وهو المرابطة وهي لزوم ثغر القلب وحراسته لئلا يدخل معه العدو ولزوم ثغر العين والأذن واللسان والبطن واليد والرجل فهذه الثغور منها يدخل العدو فيجوس خلال الديار ويفسد ما قدر عليه فالمرابطة لزوم هذه الثغور ولا يخلي مكانها فيصادف العدو والثغر خاليا فيدخل منه. فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الخلق بعد النبيين والمرسلين وأعظمهم حماية وحراسة من الشيطان وقد أخلوا المكان الذي أمروا بلزومه يوم أحد فدخل منه العدو فكان ما كان. وجماع هذه الثلاثة وعمودها الذي تقوم به هو تقوى الله التقوى فلا ينفع الصبر ولا المصابرة ولا المرابطة إلا بالتقوى ولا تقوم التقوى على ساق الصبر. فانظر الآن فيك إلى التقاء الجيشين واصطدام العسكرين وكيف تدال مرة ويدال عليك مرة أخرى؟ أقبل ملك الكفرة وعساكره فوجد القلب في غفلة والثغور خالية فدخل منها.

فصل 7

ثم امنعوا ثغر الأذن أن يدخل منه ما يفسد عليكم الأمر فاجتهدوا أن لا تدخلوا منه إلا الباطل فإنه خفيف على النفس تستحليه وتستحسنه تخيروا له أعذاب الألفاظ وأسحرها للألباب وامزجوه بما تهوى النفس مزجا وألقوا الكلمة فإن رأيتم منه إصغاء إليها فزجوه بأخوانها وكلما صادفتم منه استحسان شيء فالهجوا له بذكره وإياكم أن يدخل من هذا الثغر شىء من كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم أو كلام النصحاء فإن غلبتم على ذلك ودخل من ذلك شيء فحولوا بينه وبين فهمه وتدبره والتفكير فيه والعظة به و إما بإدخال ضده عليه وإما بتهويل ذلك وتعظيمه وأن هذا أمر قد حيل بين النفوس وبينه فلا سبيل لها إليه وهو حمل يثقل عليها لا تستقل به ونحو ذلك وإما بإرخاصه على النفوس وأن الاشتغال ينبغي أن يكون بما هو أغلى عند الناس وأعز عليهم وأغرب عندهم وزبونه القائلون له أكثر وأما الحق فهو مهجور وقائله به معرض نفسه للعداوة والربح بين الناس أولى بالإيثار ونحو ذلك فتدخلون الباطل عليه في كل قالب يقبله ويخف عليه وتخرجون له الحق في كل قالب يكرهه ويثقل عليه.

والمقصود: أن الشيطان قد لزم ثغر الأذن أن يدخل فيها ما يضر العبد ويمنع أن يدخل إليها ما ينفعه وإن دخل بغير اختياره أفسد عليه.

فصل 8

ثم يقول: قوموا على ثغر اللسان فإنه الثغر الأعظم وهو قبالة الملك فأجروا عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ينفعه في دينه ودنياه.

أحدهما: التكلم بالباطل فإنما المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم ومن أكبر جندكم وأعوانكم. الثاني: السكوت عن الحق فإن الساكت عن الحق أخ لكم أخرس كما أن الأول أخ ناطق وربما كان الأخ الثاني أنفع أخويكم لكم أما سمعتم قول الناصح: "المتكلم بالباطل شيطان ناطق والساكت عن الحق شيطان أخرس" فالرباط الرباط على هذا الثغر أن يتكلم بحق أو يمسك عن الباطل وزينوا له التكلم بالباطل بكل طريق وخوفوه من التكلم بالحق.بكل طريق. واعلموا يا بني أن ثغر اللسان هو الذي أهلك منه بني آدم وأكبَّهم منه على مناخرهم في النار فكم لي من قتيل وأسير وجريح أخذته من هذا الثغر؟ وأوصيكم بوصية فاحفظوها: لينطق أحدكم على لسان أخيه من الإنس بالكلمة ويكون الآخر على لسان السامع فينطق باستحسانها وتعظيمها والتعجب منها ويطلب من أخيه إعادتها وكونوا أعوانا على الإنس بكل طريق وادخلوا عليهم من كل باب واقعدوا لهم كل مرصد أما سمعتم قسمي الذي أقسمت به لربهم حيث قلت:

فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ

أو ما تروني قد قعدت لابن آدم بطرقه كلها فلا يفوتني من طريق إلا قعدت له من طريق غيره حتى أصبت منه حاجتي أو بعضها و قد حذرهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم: "إن الشيطان قد قعد لابن آدم بطرقه كلها وقعد له بطريق الإسلام فقال: له أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟"

ثم الزموا ثغر اليدين والرجلين فامنعوها أن تبطش بما يضركم و تمشى فيه واعلموا أن أكثر أعوانكم على لزوم هذه الثغور مصالحة النفس الأمارة فأعينوها واستعينوا بها وأمدوها واستمدوا منها وكونوا معها على حرب النفس المطمئنة فاجتهدوا في كسرها وإبطال قواها ولا سبيل إلى ذلك إلا بقطع موادها عنها فإذا انقطعت موادها وقويت مواد النفس الأمارة وانطاعت لكم أعوانها فاستنزلوا القلب من حصنه واعزلوه عن مملكته وولوا مكانه النفس فإنها لا تأمر إلا بما تهوونه وتحبونه ولا تجيئكم بما تكرهونه البتة مع أنها لا تخالفكم في شيء تشيرون به عليها بل إذا أشرتم عليها بشيء بادرت إلى فعله فإن أحسستم من القلب منازعة إلى مملكته وأردتم الأمن من ذلك فاعقدوا بينه وبين النفس عقد النكاح فزينوها وجملوها وأروها إياه في أحسن صورة عروس توجد وقولوا له: ذق طعم هذا الوصال والتمتع بهذه العروس.

واستعينوا يا بني بجندين عظيمين لن تغلبوا معهما: أحدهما: جند الغفلة فأغفلوا قلوب بني آدم عن الله تعالى والدار الآخرة بكل طريق فليس لكم شيء أبلغ في تحصيل غرضكم من ذلك فإن القلب إذا غفل عن الله تعالى تمكنتم منه ومن إغوائه. الثاني: جند الشهوات فزينوها في قلوبهم وحسنوها في أعينهم وصُولوا عليهم بهذين العسكرين فليس لكم من بني آدم أبلغ منهما واستعينوا على الغفلة بالشهوات وعلى الشهوات بالغفلة واقرنوا بين الغافلين ثم استعينوا بهما على الذاكر ولا يغلب واحد خمسة فإن مع الغافلين شيطانين صاروا أربعة وشيطان الذاكر معهم وإذا رأيتم جماعة مجتمعين على ما يضركم من ذكر الله أو مذاكرة أمر ونهيه ودينه ولم تقدروا على تفريقهم فاستعينوا عليهم ببني جنسهم من الإنس البطالين فقربوهم منهم وشوشوا عليهم بهم. وبالجملة فأعدوا للأمور أقرانها وأدخلوا على كل واحد من بني آدم من باب إرادته وشهوته فساعدوه عليها وكونوا أعوانا له على تحصيلها وإذا كان الله قد أمرهم أن يصبروا لكم ويصابروكم ويرابطوا عليكم الثغور فاصبروا أنتم وصابروا ورابطوا عليهم بالثغور وانتهزوا فرصكم فيهم عند الشهوة والغضب فلا تصطادون بني آدم في أعظم من هذين الموطنين. واعلموا أن منهم من يكون سلطان الشهوة عليه أغلب وسلطان غضبه ضعيف مقهور فخذوا عليه طريق الشهوة ودعوا طريق الغضب ومنهم من يكون سلطان الغضب عليه أغلب فلا تخلوا طريق الشهوة عليه ولا تعطلوا ثغرها

واعلموا أنه ليس لكم في بني آدم سلاح أبلغ من هذين السلاحين وإنما أخرجت أبويهم من الجنة بالشهوة وإنما ألقيت العداوة بين أولادهم بالغضب فبه قطعت أرحامهم وسفكت دماؤهم وبه قتل أحد بني آدم أخاه. واعلموا أن الغضب جمرة في قلب ابن آدم والشهوة نار تثور من قلبه وإنما تطفأ النار بالماء والصلاة والذكر والتكبير فإياكم أن تمكنوا ابن آدم عند غضبه وشهوته من قربان الوضوء والصلاة فإن ذلك يطفئ عنهم نار الغضب والشهوة وقد أمرهم نبيهم بذلك وقال: "إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم من احمرار عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بذلك فليتوضأ" وقال لهم: "إنما تطفأ النار بالماء" وقد أوصاهم الله أن يستعينوا عليكم بالصبر والصلاة فحولوا بينهم وبين ذلك وأنسوهم إياه واستعينوا عليهم بالشهوة والغضب وأبلغ أسلحتكم فيهم وأنكاها الغفلة واتباع الهوى وأعظم أسلحتهم فيكم وأمنع حصونهم ذكر الله ومخالفة الهوى فإذا رأيتم الرجل مخالفا لهواه فاهربوا من ظلمه ولا تدنوا منه. والمقصود أن الذنوب والمعاصي سلاح ومدد يمد بها العبد أعداءه ويعينهم بها على نفسه فيقاتلونه بسلاحه ويكون معهم على نفسه وهذا غاية الجهل قال:

ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه

ومن العجب أن العبد يسعى بنفسه في هوان نفسه وهو يزعم أنه لها مكرم ويجتهد في حرمانها أعلى حظوظها وأشرفها وهو يزعم أنه يسعى في حظها ويبذل جهده في تحقيرها وتصغيرها وتدسيتها وهو يزعم أنه يعليها ويرفعها ويكبرها

فصل 9

ومن عقوباتها: أنها تنسي العبد نفسه وإذا نسي نفسه أهملها وأفسدها وأهلكها. فإن قيل: كيف ينسى العبد نفسه؟ وإذا نسي نفسه فأي شيء يذكر؟ وما معنى نسيانه نفسه؟ قيل: نعم ينسى نفسه أعظم نسيان قال تعالى:

وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

فلما نسوا ربهم سبحانه نسيهم وأنساهم أنفسهم كما قال تعالى:

نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ

فعاقب سبحانه من نسيه عقوبتين. إحداهما: أنه سبحانه نسيه والثانية أنه أنساه نفسه. ونسيانه سبحانه للعبد إهماله وتركه وتخليه عنه وإضاعته ونسيانه فالهلاك أدنى إليه من اليد للفم وأما إنساؤه نفسه فهو إنساؤه لحظوظها العالية وأسباب سعادتها وفلاحها وصلاحها وما تكمل به بنسيه ذلك كله جميعه فلا يخطره بباله ولا يجعله على ذكره ولا يصرف إليه همته فيرغب فيه فإنه لا يمر بباله حتى يقصده ويؤثره. وأيضا فينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها فلا يخطر بباله إزالتها.

فأي عقوبة أعظم من عقوبة من أهمل نفسه وضيعها ونسي مصالحها وداءها ودواءها وأسباب سعادتهما وصلاحها وفلاحها وحياتها الأبدية في النعيم المقيم؟ ومن تأمل هذا الموضع تبين له أن أكثر هذا الخلق قد نسوا أنفسهم حقيقة وضيعوها وأضاعوا حظها من الله وباعوها رخيصة بثمن بخس بيع الغبن وإنما يظهر لهم هذا عند الموت ويظهر كل الظهور يوم التغابن يوم يظهر للعبد أنه غبن في العقد الذي عقده لنفسه في هذه الدار والتجارة التي أتجر فيها لمعاده فان كل أحد يتجر في هذه الدنيا لآخرته. فالخاسرون الذين يعتقدون أنهم أهل الربح والكسب اشتروا الحياة الدنيا وحظهم فيها فأذهبوا طيباتهم ولذاتهم بالآخرة وحظهم فيها في حياتهم الدنيا وحظهم فيها ولذاتهم بالآخرة واستمتعوا بها ورضوا بها واطمأنوا إليها وكان سعيهم لتحصيلها فباعوا واشتروا واتجروا وباعوا آجلا بعاجل ونسيئة بنقد وغائبا بناجز وقالوا: هذا هو الزهرة ويقول أحدهم: خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به فكيف أبيع حاضرا نقدا مشاهدا في هذه الدار بغائب نسيئه في دار أخري غير هذه وينضم إلى ذلك ضعف الإيمان وقوة داعي الشهوة ومحبة العاجلة والتشبه ببني الجنس فأكثر الخلق في هذه التجارة الخاسرة التي قال: الله في أهلها {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ}

وأما الرابحون فإنهم باعوا فانيا بباق وخسيسا بنفيس وحقيرا بعظيم وقالوا ما مقدار هذه الدنيا من أولها إلى آخرها حتى نبيع حظنا من الله تعالى والدار الآخرة بها فكيف بما ينال العبد منها في هذا الزمن القصير الذي هو في الحقيقة كغفوة حلم لا نسبة له إلى الدار القرار البتة قال تعالى:

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلاّ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ

وقال تعالى:

يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إلى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا

وقال تعالى:

كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلاّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ

وقال تعالى:

قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إلاّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

وقال تعالى:

يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إلاّ عَشْراً نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إلاّ يَوْماً

فهذه حقيقة هذه الدنيا عند موافاة يوم القيامة فلما علموا قلة لبثهم فيها وإن لهم دار غير هذه الدار دار الحيوان ودار البقاء رأوا من أعظم الغبن بيع دار البقاء بدار الفناء فاتجروا تجارة الأكياس ولم يغتروا بتجارة السفهاء من الناس، فظهر لهم يوم التغابن ربح تجارتهم ومقدار ماشتروه، وكل أحد في هذه الدنيا بائع مشتر متجر. وكل الناس يغدو فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَانَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}

فهذا أول نقد من ثمن هذه التجارة، فتاجروا أيها المفلسون، ويا من لا يقدر على هذا الثمن هاهنا ثمن آخر، فان كنت من أهل هذه التجارة فأعط هذا الثمن

التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

والمقصود أن الذنوب تنسي العبد حظه من هذه التجارة الرابحة، وتشغله بالتجارة الخاسرة، وكفى بذلك عقوبة, والله المستعان.

فصل 10

ومن عقوباتها: أنها تزيل النعم الحاضرة، وتقطع النعم الواصلة، فتزيل الحاصل، وتمنع الواصل، فان نعم الله ما حفظ موجودها بمثل طاعته، ولا استجلب مفقودها بمثل طاعته، فأن ماعنده لا ينال إلاّ بطاعته، وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سببا وآفة: سببا يجلبه، وآفة تبطله، فجعل أسباب نعمه الجالبة لها طاعته، وآفاتها المانعة منها معصيته، فاذا أراد حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها. ومن العجيب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره، وسماعا لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه، وهو مقيم على معصية الله، كأنه مستثنى من هذه الجملة، أومخصوص بما لم يخص به غيره.

فأي جهل أبلغ من هذا؟ وأي ظلم للنفس فوق هذا؟ فالحكم لله العلى الكبير

فصل 11

ومن عقوباتها: أنها تباعد عن العبد وليه، وأنفع الخلق له، وأنصحهم له، ومن سعادته في قربه منه: وهو الملك الموكل به، وتدنى منه عدوه، وأغش الخلق له، وأعظمهم ضررا له: وهو الشيطان، فان العبد إذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصية، حتى أنه يتباعد منه بالكذبة الواحدة مسافة بعيدة. وفي بعض الآثار"إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلا من نتن ريحه". فإذا كان هذا تباعد الملك منه من كذبة واحدة، فماذا يكون قدر تباعده منه مما هو أكبر من ذلك، وأفحش منه؟ وقال بعض السلف: إذا ركب الذكرُ الذكرَ عجت الأرض إلى الله، وهربت الملائكة إلى ربها، وشكت إليه عظم ما رأت. وقال بعض السلف: إذا أصبح ابن آدم ابتدره الملك والشيطان، فان ذكر الله وكبره وحمده وهلله طرد الملك الشيطان وتولاه، وإن افتتح بغير ذلك ذهب الملك عنه وتولاه الشيطان. ولا يزال الملك يقرب من العبد حتى يصير الحكم والطاعة والغلبة له، فتتولاه الملائكة في حياته وعند موته وعند مبعثه, كما قال: الله تعالى

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ إلاّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ

وإذا تولاه الملك تولاه أنصح الخلق له وأنفعهم وأبرهم له، فثبته وعلمه، وقوي جنانه، وأيده. قال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا}

فليس أحد أنفع للعبد من صحبة الملك له، وهو وليه في يقظته ومنامه، وحياته وعند موته، وفي قبره. ومؤنسه في وحشته، وصاحبه في خلوته، ومحدثه في سره، ويحارب عنه عدوه، ويدافع عنه ويعينه عليه، ويعده بالخير ويبشره به, ويحثه على التصديق بالحق، كما جاء في الأثر الذي يروى مرفوعاً وموقوفا"إن للملك بقلب ابن آدم لمة"وللشيطان لمّة، فلمة الملك إبعاد بالخير وتصديق بالوعد، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق". وإذا اشتد قرب الملك من العبد تكلم على لسانه، وألقى على لسانه القول السديد، وإذا أبعد منه وقرب الشيطان من العبد تكلم على لسانه، قول الزور والفحش، حتى يرى الرجل يتكلم على لسانه الملك، والرجل يتكلم على لسانه الشيطان. وفي الحديث"إن السكينة تنطق على لسان عمر رضي الله عنه وكان أحدهم يسمع الكلمة الصالحة من الرجل الصالح فيقول: ما ألقاها على لسانك إلاّ الملك، ويسمع ضدها فيقول: ما ألقاها على لسانك إلاّ الشيطان، فالملك يلقى بالقلب الحق، ويلقيه على اللسان، والشيطان يلقي الباطل في القلب، ويجريه على اللسان. فمن عقوبة المعاصي: أنها تبعد من العبد وليه الذي سعادته في قربه ومجاورته وموالاته، وتدني منه عدوه الذي شقاؤه وهلاكه وفساده في قربه وموالاته، حتى أن الملك لينافح عن العبد، ويرد عنه إذا سفه عليه السفيه وسبه."

كما قال بعض الصحابة رضي الله عنهم: "إن معكم من لا يفارقكم، فاستحيوا منهم وأكرموهم". ولا ألأم ممن لا يستحي من الكريم العظيم القدر، ولا يجله يكرمه ولا يوقره، وقد نبه سبحانه على هذا المعني بقوله:

وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ

أي استحيوا من هؤلاء الحافظين الكرام وأكرموهم، وأجلوهم أن يروا منكم ما تستحيون أن يريكم عليه من هو مثلكم, والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم، وإذا كان ابن آدم يتأذى ممن يؤذيه بالمعصية والفجور.

ومن عقوباتها: أنها تستجلب مواد هلاك العبد في دنياه وآخرته، فان الذنوب هي أمراض القلوب متى استحكمت قتلت ولا بد، وكما أن البدن لا يكون صحيحا إلاّ بغذاء يحفظ قوته، واستفراغ يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الردية التي متى غلبت عليه أفسدته، جميعه وحمية يمتنع بها من تناول مما يؤذيه ويخشى ضرره، فكذلك القلب لا تتم حياته إلاّ بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة تحفظ قوته، واستفراغ بالتوبة النصوح تستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الردية منه، وحمية توجب له حفظ الصحة وتجنب ما يضادها، وهي عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة، والتقوى: اسم يتناول هذه الأمور الثلاثة، فما فات منها فات من التقوى بقدره. وإذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها يستجلب المواد المؤذية، وتوجب التخليط المضاد للحمية. وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح، فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الأخلاط ومواد المرض، وهو لا يستفرغها، ولا يحتمي لها، كيف تكون صحته وبقاؤه, ولقد أحسن القائل:

جسمك بالحمية أحصنته مخافة من ألم طار
وكان أولى بك أن تحتمي من المعاصي خشية الباري

فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر، واستعمل الحمية باجتناب النواهي واستفرغ التخليط بالتوبة النصوح، لم يدع للخير مطلبا، ولا من الشر مهربا، والله المستعان.

فصل 12

فإن لم ترعك هذه العقوبات، ولم تجد لها تأثيرا في قلبك، فأحضره قلبك.

ولهذا لما كان داع الطباع إلى الزنا من أقوى الدواعي كانت من عقوبته العظمى من أشنع القتلات وأعظمها، وعقوبته السهلة على أنواع الجلد مع زيادة التغريب، ولما كانت (جريمة) اللواط فيها الأمران كان حده القتل بكل حال, ولما كان داعي السرقة قويا ومفسدتها كذلك قطع فيها اليد. وتأمل حكمته في إفساد العضو الذي باشر به الجناية, كما أفسد على قاطع الطريق يده ورجله اللتين هما آلة قطعه، ولم يفسد على القاذف لسانه الذي جنى به، إذ مفسدته تزيد على مفسدة الجناية ولا يبلغها، فاكتفى من ذلك بإيلام جميع بدنه بالجلد.

قيل: لوجوه: أحدها: أن مفسدة ذلك تزيد على مفسدة الجناية إذ فيه قطع النسل، وتعرضه للهلاك. الثاني: أن الفرج عضو مستور لا يحصل بقطعه المقصود الحد من الردع والزجر لأمثاله من الجناة، بخلاف قطع اليد. الثالث: أنه إذا قطع يده أبقى له يد أخرى تعوض عنها، بخلاف الفرج. الرابع: أن لذة الزنا عمت جميع البدن، فكان الأحسن أن تعم العقوبة جميع البدن وذلك أولى من تخصيصها ببضعة منه. فعقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه وأوفقها للعقل, وأقومها بالمصلحة. والمقصود: أن الذنوب إنما تترتب عليها العقوبات الشرعية والقدرية، أو يجمعها الله للعبد, وقد يرفعهما عمن تاب وأحسن.

فصل 13

وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية، وقدرية، فإذا أقيمت الشرعية رفعت العقوبات القدرية أو خففتها، ولا يكاد الرب تعالى يجمع على العبد بين العقوبتين إلاّ إذا لم يف أحدهما برفع موجب الذنب، ولم يكن في زوال دائه وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية، وربما كانت أشد من الشرعية، وربما كانت دونها، ولكنها تعم، والشرعية تخص, فان الرب تبارك وتعالى لا يعاقب شرعا إلاّ من باشر الجناية أو تسبب إليها.

وقد تقدم أن العقوبة الشرعية شرعها الله قدر مفسدة الذنب وتقاضي الطبع لها، وجعلها الله سبحانه ثلاثة أنواع: القتل، والقطع، والجلد، وجعل القتل بإزاء الكفر وما يليه ويقرب منه، وهو الزنا واللواط، فان هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد (الأنساب، ونوع) الإنسان. قال: الإمام أحمد رحمه الله:"لا أعلم بعد القتل ذنبا أعظم من الزنا"واحتج بحديث عبد الله بن مسعود أنه قال:"يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك, قال: قلت:ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: قلت: ثم أي، قال: أن تزني بحلية جارك"فأنزل تصديقها في كتابه

وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ

الآية. والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر كل نوع أعلاه ليطابق جوابه سؤال السؤال سائل، فإنه سأله عن أعظم الذنب، فأجابه بما تضمن ذكر أعظم أنواعها، وما هو أعظم كل نوع. فأعظم أنواع الشرك: أن يجعل العبد لله ندا. وأعظم أنواع القتل: أن يقتل ولده خشية أن يشاركه في طعامه وشرابه. وأعظم أنواع الزنى: أن يزني بحليلة جاره, فأن مفسدة الزنى تتضاعف بتضاعف ما انتهكه من الحق، فالزنى بالمرأة التي لها زوج أعظم إثماً وعقوبة من التي لا زوج لها، إذ فيه انتهاك حرمة الزوج وإفساد فراشه، وتعليق نسب عليه لم يكن منه، وغير ذلك من أنواع أذاه: فهو أعظم إثماً وجرماً من الزنى بغير ذات الزوج.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه"ولا بائقه أعظم من الزنى بامرأة الجار، فان كان الجار أخا له أو قريبا من أقاربه انضم إلى ذلك قطيعة الرحم، فيتضاعف الإثم، فان كان الجار غائبا في طاعة الله كالصلاة وطلب العلم والجهاد وتضاعف له الإثم، حتى إن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة ويقال: خذ من حسناته ما شئت، قال: النبي صلى الله عليه وسلم:"فما ظنكم؟"أي ما ظنكم أنه يترك له من حسنات قد حكِّم في أن يأخذ منها ما شاء؟ على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة حيث لا يترك الأب لابنه ولا الصديق لصديقه حقا يجب عليه؟ فان اتفق أن تكون المرأة رحما منه انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها، فان اتفق أن يكون الزاني محصنا كان الإثم أعظم، فان كان شيخا كان أعظم إثماً، وهو أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فان اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام، أو بلد حرام، أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلاة وأوقات الاجابة تضاعف الإثم، وعلى هذا فاعتبر مفاسد الذنوب وتضاعف درجاتها في الإثم والعقوبة، والله المستعان.

فصل 14

وجعل سبحانه القطع بإزاء إفساد الأموال الذي لا يمكن الاحتراز منه، فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه، لأنه يأخذ الأموال في الاختفاء، وينقب الدور، ويتسور من غير الأبواب، فهو كالسِّنُّور والحية التي تدخل عليك من حيث لا تحتسب.

ثم إنه سبحانه جعل الذنوب ثلاثة أقسام: قسما فيه الحد، فهذا لم يشرع فيه كفارة اكتفاء الحد. وقسما لم يترتب عليه حدا، فشرع فيه الكفارة، كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام، الظهار، وقتل الخطإ، والحنث في اليمين، وغير ذلك. وقسما لم يترتب عليه حدا ولا كفارة، وهو نوعان: أحدهما: ما كان الوازع عنه طبيعيا، كأكل العذرة، وشرب البول والدم. والثاني: ما كانت مفسدته أدنى من مفسدة ما رتب عليه الحد، كالنظر والقبلة واللمس والمحادثة، وسرقة فلس، ونحو ذلك. وشرع الكفارات في ثلاثة أنواع: أحدها:ما كان مباح الأصل، ثم عرض تحريمه فباشره في الحالة التي عرض فيها التحريم، كالوطء في الإحرام والصيام، وطرده: الوطء في الحيض والنفاس، بخلاف الوطء في الدبر، ولهذا كان إلحاق بعض الفقهاء له بالوطء في الحيض لا يصح، فإنه لايباح في وقت دون وقت، فهو بمنزلة التلوط وشرب المسكر. النوع الثاني: ما عقد لله من نذر أو ما حلف بالله من يمين، أو حرمه الله ثم أراد فعله.

النوع الثالث: ما تكون فيه جابرة لما فات، ككفارة قتل الخطأ، وإن لم يكن هناك إثم، وكفارة قتل الصيد خطأ، وإن لم يكن هناك إثم فإن ذلك من باب الجوابر، والنوع الأول من باب الزواجر، والنوع الأوسط من باب التحلة لما منعه العقد. ولا يجتمع الحد والتعزير في معصية، بل إن كان فيها حد اكتفى به، وإلاّ اكتفى بالتعزير، ولا يجتمع الحد والكفارة في معصية، بل كان معصية فيها حد فلا كفارة فيها، وما فيه كفارة فلا حد فيه، وهل يجتمع التعزير والكفارة في المعصية التي لا حد فيها؟ فيه وجهان، وهذا كالوطء في الإحرام والصيام، ووطء الحائض، إذا أوجبنا فيه الكفارة، فقيل: يجب التعزير، لما انتهك من الحرمة بركوب الجناية، وقيل: لا تعزير في ذلك، اكتفاء بالكفارة، لأنها جابرة وماحية.

فصل 15

وأما العقوبات القدرية فهي نوعان: نوع على القلوب والنفوس، ونوع على الأبدان والأموال. والتي على القلوب نوعان، أحدهما: آلام وجودية يضرب بها القلب، والثاني: قطع المواد التي بها حياته وصلاحه عنه، وإذا قطعت عنه حصل له أضدادها، وعقوبة القلوب أشد العقوبتين، وهي أصل عقوبة الأبدان. وهذه العقوبة تقوى وتتزايد، حتى تسري من القلب إلى البدن، كما يسري ألم البدن إلى القلب، فإذا فارقت النفس البدن صار الحكم متعلقا بها وحدها.

فصل 16

والتي على الأبدان أيضا نوعان: نوع في الدنيا، ونوع في الآخرة، وشدتها ودوامها بحسب مفاسد ما رتبت عليه في الشدة والخفة، فليس في الدنيا والآخرة شر أصلا إلاّ الذنوب وعقوباتها، فالشر إسم لذلك كله، وأصله من شر النفس وسيئات الأعمال، وهما الأصلان اللذان كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ منها في خطبته بقوله"ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا"وسيئات الأعمال: من شرور النفس، فعاد كله إلى شر النفس، فإن سيئات الأعمال من فروعه وثمراته. وقد اختلف في معنى قوله"ومن سيئات أعمالنا"هل معناه السيء من أعمالنا، فيكون من باب إضافة الفرع إلى جنسه؟ أو تكون بمعنى"من"بيانية، وقيل: معناه من عقوباتها التي تسوء، فيكون التقرير: ومن عقوبات أعمالنا التي تسوؤنا، ويرجح هذا القول: أن الاستعاذة تكون قد تضمنت جميع الشر فإن شرور الأنفس تستلزم الأعمال السيئة، وهي تستلزم العقوبات السيئة فنبه بشرور الأنفس على ما تقتضيه من قبح الأعمال، واكتفى بذكرها منه، إذ هو أصله، ثم ذكر غاية الشر ومنتهاه، فهو السيئات التى تسوء العبد عن عمله، من العقوبات والآلام, فتضمنت هذه الأستعاذة أصل الشر وفرعه وغايته ومقتضاه، ومن دعاء الملائكة للمؤمنين قولهم:

وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ

فهذا يتضمن طلب وقايتهم من سيئات الأعمال وعقوباتها التي تسوء صاحبها فإنه سبحانه متى وقاهم عمل السيئ وقاهم جزاء السيئات.

فإن قيل: فقد سألوه سبحانه أن يقيهم عذاب الجحيم، وهذا هو وقاية العقوبات السيئة، فدل على أن المراد السيئة التي سألوا وقايتها: الأعمال السيئة، ويكون الذي سأله الملائكة نظير ما استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يرد على هذا قوله{يَوْمَئِذٍ} فإن المطلوب وقاية شرور سيئات الأعمال ذلك اليوم، وهي سيئات في أنفسها. قيل: وقاية السيئات نوعان: أحدهما: وقاية فعلها بالتوفيق فلا تصدر منه, والثاني: وقاية جزائها بالمغفرة، فلا يعاقب عليها.فتضمنت الآية سؤال الأمرين، والظرف تقييد للجملة الشرطية لا للجملة الطلبية. وتأمل ما تضمنه هذا الخبر عن الملائكة من مدحهم بالإيمان، والعمل الصالح، والإحسان إلى المؤمنين بالإستغفار لهم، وقدموا بين استغفارهم توسلهم إلى الله سبحانه بسعة علمه، وسعة رحمته، فسعة علمه تتضمن علمه بذنوبهم وأسبابها وضعفهم عن العصمة، واستيلاء عدوهم وأنفسهم، وهواهم وطباعهم، وما زين لهم من الدنيا وزينتها، وعلمه بهم، إذا أنشأهم من الأرض، وإذا هم أجنة في بطون أمهاتهم، وعلمه السابق بأنهم لا بد أن يعصوه، وأنه يحب العفو والمغفرة، وغير ذلك من سعة علمه الذي لا يحيط به أحد سواه، وسعة رحمته تتضمن أنه لا يهلك عليه أحد من المؤمنين به أهل توحيده ومحبته، فإنه واسع الرحمة لا يخرج عن دائرة رحمته إلاّ الأشقياء، ولا أشقى ممن لم تسعه رحمته التي وسعت كل شيء، ثم سألوه أن يغفر للتائبين الذين اتبعوا سبيله، وهو صراطه الموصل إليه الذي هو معرفته ومحبته وطاعته، فتابوا مما يكره، واتبعوا السبيل الذي يحبها، ثم سألوه أن يقيهم عذاب الجحيم، وأن يدخلهم والمؤمنين من الأبواب التي وعدوا بها.

ثم أخبر سبحانه عن ملائكته أنهم قالوا عقيب هذه الدعوة:

إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

أي مصدر ذلك وسببه وغايته صادر عن كمال قدرتك وكمال علمك، فإن العزة كمال القدرة، والحكمة كمال العلم, وبهاتين الصفتين يقضي سبحانه وتعالى ما يشاء ويأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، فهاتان الصفتان مصدر الخلق والأمر. والمقصود: أن عقوبات السيئات تتنوع إلى عقوبات شرعية، وعقوبات قدرية، وهي إمّا في القلب، وإما في البدن, وإما فيهما، وعقوبات في دار البرزخ بعد الموت، وعقوبات يوم حشر الأجساد، في الدار الآخرة فالذنب لا يخلو من عقوبة البتة، ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو فيه من العقوبة، لأنه بمنزلة السكران والمخدر والنائم الذي لا يشعر بالألم، فإذا استيقظ وصحي أحسن بالألم، فترتب العقوبات على الذنوب كترتب الإحراق على النار، والكسر على الانكسار، والإغتراق على الماء، وفساد البدن على السموم، والأمراض على الأسباب الجالبة لها، وقد تقارن المضرة الذنب، وقد تتأخر عنه، إما يسير وإما مدة كما يتأخر المرض عن سببه أو يقارنه، وكثيرا ما يقع الغلط للعبد في هذا المقام ويذنب الذنب فلا يري أثره عقيبه، ولا يدري أنه يعمل وعمله على التدريج شيئا فشيئا، كما تعمل السموم والأشياء الضارة حذو القذة بالقذة فإن تدارك العبد بالأدوية والاستفراغ والحمية، وإلاّ فهو صائر إلى الهلاك، هذا وأنت لا تشعر.

فصل 17

فاستحضر بعض العقوبات التي رتبها الله سبحانه وتعالى على الذنوب، وجوز وصول بعضها إليك، واجعل ذلك داعيا للنفس إلى هجرانها، وأنا أسوق لك منها طرفا يكفي العاقل مع التصديق ببعضه. فمنها: الختم على القلوب والإسماع، والغشاوة على الإبصار، والإقفال على القلوب، وجعل الأكنة عليها والرين عليها والطبع، وتقليب الأفئدة والإبصار، والحيلولة بين المرء وقلبه وإغفال القلب عن ذكر الرب، وإنساء الإنسان نفسه وترك إرادة الله تطهير القلب، وجعل الصدر ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء، وصرف القلوب عن الحق، وزيادتها مرضا على مرضها، وإركاسها وإنكاسها، بحيث تبقى منكوسة كما ذكر الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال:"القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس، فذلك قلب المنافق، وقلب تمده مادتان: مادة إيمان، ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه منهما" ومنها التثبط عن الطاعة, والإقعاد عنها. ومنها: جعل القلب أصم لا يسمع الحق، أبكم لا ينطق به، أعمى لا يراه، فتصير النسبة بين القلب وبين الحق الذي لا ينفعه غيره، كالنسبة بين أذن الأصم والصوت.

والمقصود: أن من عقوبات المعاصي جعل القلب أعمى أصم أبكم. ومنها: الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه: فيخسف به إلى أسفل سافلين، وصاحبه لا يشعر، وعلامة الخسف به: أنه لا يزال جوالا حول السفليات والقاذورات والراذائل، كما أن القلب الذي رفعه الله وقربه إليه لا يزال جوالا حول العرش. ومنها: البر والخير ومعالي الأعمال والأقوال والأخلاق. قال بعض السلف: "إن هذه القلوب جوالة، فمنها ما يجول حول العرش، ومنها ما يجول حول الحش" ومنها: مسخ القلب، فيمسخ كما تمسخ الصورة، فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته، فمن القلوب ما يمسخ على قلب خنزير، ومنها ما يمسخ على قلب كلب.

فسبحان الله! كم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر؟ وقلب ممسوخ، وقلب مخسوف به، وكم من مفتون بثناء الناس عليه؟ ومغرور بستر الله عليه ومستدرج بنعم الله عليه؟ وكل هذه عقوبات وإهانات، ويظن الجاهل أنها كرامة. ومنها: مكر الله بالماكر، ومخادعته للمخادع، واستهزاؤه بالمستهزىء، وإزاغته القلب الزائغ عن الحق. ومنها: نكس القلب حتى يرى الباطل حقا، والحق باطلا، والمعروف منكرا، والمنكر معروفا، ويفسد ويرى أنه يصلح، ويصد عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعى إليها، ويشتري الضلالة بالهدى، وهو يرى أنه على الهدى، ويتبع هواه

ومنها: حجاب القلب عن الرب في الدنيا، والحجاب الأكبر يوم القيامة. كما قال تعالى:

كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ

فمنعتهم الذنوب أن يقطعوا المسافة بينهم وبين قلوبهم فيصلوا إليها فيروا ما يصلحها ويزكيها، وما يفسدها ويشقيها وإن يقطعوا المسافة بين قلوبهم وبين ربهم، فتصل القلوب إليه، فتفوز بقربه وكرامته، وتقربه عينا وتطيب به نفسا، بل كانت الذنوب حجابا بينهم وبين قلوبهم، وحجابا بينهم وبين ربهم وخالقهم. ومنها: المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ والعذاب في الآخرة، قال: تعالى

وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى

. وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، ولا ريب أنه من المعيشة الضنك، والآية تتناول ما هو أعم منه وإن كانت نكرة في سياق الإثبات فإن عمومها من حيث المعنى، فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره, فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعم، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه، وإنما يواريه عنه سكرات الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة، وإن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر، فسكرها هذه الأمور أعظم من سكر الخمر، فإنه يفيق صاحبه ويصحوا، وسكر الهوى وحب الدنيا لا يصحوا صاحبه إلاّ إذا سكر في عسكر الأموات، فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم في دنياه وفي البرزخ ويوم معاده، ولا تقر العين، ولا يهدى القلب، ولا تطمئن النفس إلاّ بإلهها ومعبودها الذي هو حق، وكل معبود سواه باطل، فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين.

ونظير هذا قوله تعالى

لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ

ونظيرها قوله تعالى

وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ

ففاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة، حصلوا على الحياة الطيبة في الدارين، فإن طيب النفس وسرور القلب وفرحه ولذته وابتهاجه وطمأنينته وانشراحه ونوره وسعته وعافيته من ترك الشهوات المحرمة والشبهات الباطلة، وهو النعيم على الحقيقة، ولا نسبة لنعيم البدن إليه. فقد كان يقول بعض من ذاق هذه اللذة: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا عليه بالسيوف. وقال آخر: إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفى عيش طيب. قال الآخر: إن في الدنيا جنة هي في الدنيا كالجنة في الآخرة, فمن دخلها دخل تلك الجنة الآخرة، ومن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الجنة بقوله"إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حِلق الذكر"وقال"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة".

ولا تتم له سلامته مطلقاً حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهو يناقض التجريد والإخلاص. وهذه الخمسة حجب عن الله، وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة تتضمن أفراداً لا تنحصر، ولذلك اشتدت حاجة العبد، بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم، فليس العبد أحوج إلى شيء منه إلى هذه الدعوة، وليس شيء أنفع له منها، فان الصراط المستقيم يتضمن علوماً وإرادات وأعمالاً وتروكا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت، فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد, وقد لا يعلمها، وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه، وما يعلمه قد يعجز عن القيام به.

ونصب لعباده من أمره صراطاً مستقيماً دعاهم جميعا إليه حجة منه وعدلا، وهدى من يشاء منهم إلى سلوكه نعمة منه وفضلا، ولم يخرج بهذا العدل وهذا الفضل عن صراطه المستقيم الذي هو عليه، فإذا كان يوم لقائه نصب لخلقه صراطا مستقيما يوصلهم إلى جنته، ثم صرف عنه من صرف عنه في الدنيا، وأقام عليه من أقام عليه في الدنيا، وجعل نور المؤمنين به وبرسوله وما جاء به الذي كان في قلوبهم في الدنيا نورا ظاهرا لهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في ظلمة الحشر، وحفظ عليهم نورهم حتى يقطعوه، كما حفظ عليهم الإيمان حتى لقوه، وأطفأ نور المنافقين أحوج ما كانوا إليه، كما أطفأه من قلوبهم في الدنيا، وأقام أعمال نفاقهم في صورة ظلمات.

فمن أعظم عقوبات الذنوب الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة.

فصل 18

ولما كانت الذنوب متفاوتة في درجاتها ومفاسدها تفاوتت عقوباتها في الدنيا والآخرة بحسب تفاوتها. ونحن نذكر فيها بعون الله وحسن توفيق فصلا وجيزا جامعا فتقول: أصلها نوعان: ترك مأمور، وفعل محظور، وهما الذنبان اللذان ابتلى الله سبحانه أبوي الجن والإنس، بهما وكلاهما ينقسم باعتبار محله إلي ظاهر على الجوارح، وباطن في القلوب، وباعتبار متعلقة إلى حق الله، وحق خلقه، وإن كان كل حق لخلقه فهو متضمن لحقه، لكن سمى حقا للخلق, لأنه يجب بمطالبتهم، ويسقط بإسقاطهم. ثم هذه الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام: ملكية، وشيطانية، وسبعية, وبهيمية، لا تخرج عن ذلك.

وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب، ويدخل فيه القول على الله بلا علم في خلقه وأمره، فمن كان من أهل هذه الذنوب فقد نازع الله سبحانه ربوبيته وملكيه، وجعل له ندا، وهذا أعظم الذنوب عند الله، ولا ينفع معه عمل.

فصل 19

وأما الشيطانية: فالتشبه بالشيطان في الحسد، والبغي، والغش، والغل، والخداع، والمكر، والأمر بمعاصي الله, وتحسينها، والنهى عن طاعة الله، وتهجينها، والابتداع في دينه، والدعوة إلى البدع والضلال. وهذا النوع يلي النوع الأول في المفسدة، وإن كانت مفسدته دونه.

فصل 20

وأما السبعية: فذنوب العدوان، والغضب، وسفك الدماء، والتوثب على الضعفاء والعاجزين، ويتولد منها أنواع أذي النوع الإنساني، والجرأة على الظلم والعدوان.

وأما الذنوب البهيمية: فمثل الشره، قضاء شهوة البطن والفرج، ومنها يتولد الزنى، والسرقة، وأكل أموال اليتامى, والبخل، والشح، والجبن، والهلع، والجزع، وغير ذلك.

ومن تأمل هذا حق التأمل تبين له أن الذنوب دهليز الشرك والكفر ومنازعة الله ربوبية.

فصل 21

وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم والأئمة على أن من الذنوب كبائر وصغائر، قال: الله تعالى

إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً

وقال تعالى:

الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاّ اللَّمَمَ

. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلي رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر". وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات: إحداها: أن تقصر عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الإخلاص فيها، والقيام بحقوقها، بمنزلة الدواء الضعيف الذي ينقص عن مقاومة الداء كمية وكيفية. الثانية: أن تقاوم الصغائر، ولا ترتقى إلى تكفير شيء من الكبائر. الثالثة: أن تقوى على تكفير الصغائر، وتبقى فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر. فتأمل هذا، فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة. وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ألاّ أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله"

وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم:"اجتنبوا السبع الموبقات. قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم"أنه سئل أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك. قيل: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك"فأنزل الله تعالى تصديقها

وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ

الآية. واختلف الناس في الكبائر، هل لها عدد يحصرها؟ على قولين: ثم الذين قالوا بحصرها اختلفوا في عددها, فقال عبد الله بن مسعود: هي أربعة، وقال عبد الله بن عمر هي سبعة، وقال عبد الله بن عمرو ابن العاص هي تسعة, وقال غيره هي إحدى عشرة. وقال آخر: هي سبعون. وقال أبو طالب المكي: جمعتها من أقوال الصحابة فوجدتها أربعة في القلب، وهي: الشرك بالله، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. وأربعة في اللسان: شهادة الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغموس، والسحر. وثلاثة في البطن: شرب الخمر، وأكل مال اليتيم, وأكل الربا. واثنتان في الفرج: وهما الزنى، واللواط. واثنان في اليدين، وهما: القتل، والسرقة. وواحدة في الرجلين، وهي الفرار من الزحف. وواحدة تتعلق بجميع الجسد، وهو عقوق الوالدين.

وقالت طائفة: ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة فهو كبيرة، ومالم يقرن به شيء من ذلك فهو صغيرة. وقيل: كلما رتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة، وما لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا فهو صغيرة. وقيل: كلما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر، وما كان تحريمه في شريعة دون شريعة فهو صغيرة. وقيل: كلما لعن الله أو رسوله فاعله فهو كبيرة، وقيل: كلما ذكر من أول سورة النساء إلى قوله

إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ

. والذين لم يقسموها إلى كبائر وصغائر قالوا: الذنوب كلها- بالنسبة إلى الجراءة على الله سبحانه معصيته ومخالفة أمره – كبائر، فالنظر إلى من عصى أمره. وانتهك محارمه يوجب أن تكون الذنوب كلها كبائر، وهي مستوية في هذه المفسدة، قالوا: ويوضح هذا أن الله سبحانه لا تضره الذنوب ولا يتأثر بها، فلا يكون بعضها بالنسبة إليه أكبر من بعض، فلم يبق إلاّ مجرد معصيته ومخالفته، ولا فرق في ذلك بين ذنب وذنب. قالوا: ويدل عليه أن مفسدة الذنب إنما هي تابعة للجراءة والتوثب على حق الرب تبارك وتعالى، ولهذا لو شرب رجل خمرا أو وطئ فرجا حراما، وهو لا يعتقد تحريمه، لكان قد جمع بين الجهل وبين مفسدة ارتكاب الحرام، ولو فعل ذلك من يعتقد تحريمه لكان آتيا بأحد المفسدتين، وهو الذي يستحق العقوبة دون الأول: فدل على أن مفسدة الذنب تابعة للجراءة والتوثب.

قالوا: فلا ينظر العبد إلى كبر الذنب وصغره في نفسه، ولكن ينظر إلى قدر من عصاه، وعظمته، وانتهاك حرمته بالمعصية، وهذا لا يقترن فيه الحال بين معصية ومعصية، فإن ملكا مطاعا عظيما لو أمر أحد مملوكيه أن يذهب في مهم له إلى بلد بعيد، وأمر آخر أن يذهب في شغل له إلى جانب الدار، فعصياه وخالفا أمره، لكانا في مقته والسقوط من عينه سواء. قالوا: ولهذا كانت معصية من ترك الحج من مكة وترك الجمعة وهو جار المسجد أقبح عند الله من معصية من تركه من المكان البعيد، والواجب على هذا أكثر من الواجب على هذا، ولو كان مع رجل مائتا درهم ومنع زكاتها ومع آخر مائتا ألف ألف فمنع زكاتها لا يستويا في منع ما وجب على كل واحد منهما، ولايبعد استواؤهما في العقوبة، إذا كان كلا منهما مصرا على منع زكاة ماله، قليلا كان المال أو كثيرا.