فلنرجع إلى ما كنا فيه من ذكر دواء الداء الذي إن استمر أفسد دنيا العبد وآخرته فما ينبغي أن يعلم:

أن الذنوب والمعاصي تضر ولا بد، أن ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر.

وهل في الدنيا والآخرة شرور وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟ فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟ وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية ودمرت ما مرت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة ؟

وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فأهلكم جميعا ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها عليهم فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم ولإخوانهم أمثالها وما هي من الظالمين ببعيد؟ وما الذي قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارا تلظى؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميرا؟ وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟ وما الذي بعث على بنى إسرائيل قوما أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وقتلوا الرجال وسبوا الذرية والنساء وأحرقوا الديار ونهبوا الأموال ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علو تتبيرا؟ وما الذي سلط عليهم أنواع العقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد ومرة بجور الملوك ومرة بمسخهم قردة وخنازير وآخر ذلك أقسم الرب تبارك وتعالى:

لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ

قال الإمام أحمد حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا صفوان بن عمرو حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: "لما فتحت قبرص فرق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض فرأيت أبا الدرداء جالسا وحده يبكي فقلت: ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره، بينما هؤلاء أمة قاهرة ظاهرة قهرهم الله لما عصوه".

وقال علي بن الجعد: أنبأنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا البختري يقول: أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم" وفي مسند الإمام أحمد من حديث أم سلمة قالت: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده فقلت: يا رسول الله أما فيهم يومئذ أناس صالحون قال: بلى قلت: فكيف يصنع بأولئك؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان" وفي مراسيل الحسن

قال ﷺ: «لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وفى كنفه ما لم يمال قراؤها أمراءها وما لم يزك صلحاؤها فجارها وما لم يهن خيارها أشرارها فإذا هم فعلوا ذلك رفع الله يده عنهم ثم سلط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب ثم ضربهم الله بالفاقة والفقر»

وفي المسند من حديث ثوبان قال:

قال ﷺ: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها قلنا: يا رسول الله أمن قلة منا يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل تنزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن قالوا: وما الوهن؟ قال: حب الحياة وكراهة الموت»

وفى جامع الترمذي من حديث أبي هريرة قال:

قال ﷺ: «يخرج في آخر الزمان قوم يختلون الدنيا بالدين ويلبسون للناس مسوك الضأن من اللين ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله عز وجل: أبي يغترون؟ وعلي؟ يجترئون في حلفت لأبعثن على أولئك فتنة تدع الحليم فيها حيران»

وذكر ابن أبي الدنيا من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال على: يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه مساجدهم يومئذ عامرة وهي خراب من الهدى علماؤهم شر من تحت أديم السماء منهم خرجت الفتنة وفيهم تعود" وذكر من حديث سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: "إذا ظهر الربا والزنا في قرية أذن الله عز وجل بهلاكها" ومن مراسيل الحسن: إذا أظهر الناس العلم وضيعوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا الأرحام لعنهم الله عز وجل عند ذلك فأصمهم وأعمى أبصارهم" وفي سنن ابن ماجة من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا".

وفي المسند والسنن من حديث عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "إن من كان قبلكم كان إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة جاءه الناهي تعذيرا فقال: يا هذا اتق الله فإذا كان الغد جالسه وواكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس فلما رأى الله عز وجل ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم

ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ

والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم" وذكر ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: أوحى الله إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم قال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي وكانوا يواكلونهم ويشاربونهم". وذكر أبو عمر بن عبد البر عن أبي عمران قال: بعث الله عز وجل ملكين إلى قرية: أن دمراها بمن فيها فوجدا فيها رجلا قائما يصلي فى مسجد فقالا: يا رب إن فيها عبدك فلاناً، فأوحى الله إليهما: أن به فابدؤوا فإنه لم يتمعر وجهه فيّ ساعة قط".

وذكر الحميدي عن سفيان بن عيينة قال: حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر "أن ملكا أمر أن يخسف قرية فقال: يا رب إن فيها فلانا العابد فأوحى الله عز وجل إليه: إن به فابدأ فإنه لم يتمعّر وجهه في ساعة قط" وذكر ابن أبي الدنيا عن وهب بن منبه قال: "لما أصاب داود الخطيئة قال: يا رب اغفر لي قال: قد غفرت لك وألزمت عارها بني إسرائيل قال: يا رب كيف وأنت الحكم العدل لا تظلم أحدا أنا أعمل الخطيئة وتلزم عارها غيري؟ فأوحى الله إليه أنك لما عملت الخطيئة لم يعجلوا عليك بالإنكار" وذكر ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك: "أنه دخل على عائشة وهو ورجل آخر فقال لها: الرجل يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة فقالت: إذا استباحوا الزنا وشربوا الخمور وضربوا بالمعازف غار الله عز وجل في سمائه فقال للأرض: تزلزلي بهم فإن تابوا ونزعوا وإلا هدمها عليهم قال: يا أم المؤمنين أعذابا لهم؟ قالت: بل موعظة ورحمة للمؤمنين ونكالا وعذابا وسخطا على الكافرين فقال أنس: ما سمعت حديثا بعد رسول صلى الله عليه وسلم أنا أشد فرحا به مني بهذا الحديث" وذكر ابن أبي الدنيا حديثا مرسلا "أن الأرض تزلزلت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليها ثم قال: اسكني فإنه لم يأن لك بعد ثم التفت إلى أصحابه فقال: إن ربكم ليستعتبكم فاعتبوه ثم تزلزلت بالناس على عهد عمر بن الخطاب فقال: أيها الناس ما كانت هذه الزلزلة إلا عن شيء أحدثتموه والذي نفسي بيده لإن عادت لا أساكنكم فيها أبدا" وفي مناقب عمر لابن أبي الدنيا "أن الأرض تزلزلت على عهد عمر فضرب الأرض بدرته وقال: اسكني بإذن الله فسكنت."

وذكر الإمام أحمد عن صفية قالت: "زلزلت المدينة على عهد عمر فقال: يأيها الناس ما هذا؟ ما أسرع ما أحدثتم لإن عادت لا أساكنكم فيها" وقال كعب: "إنما تزلزل الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي فترعد فرقا من الرب جر جلاله أن يطلع عليها" وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: "أما بعد فإن هذا الرجف شيء يعاتب الله عز وجل به العباد وقد كتبت إلى الأمصار أن يخرجوا في يوم كذا وكذا في شهر كذا وكذا فمن كان عنده شيء فليتصدق به فإن الله عز وجل قال:

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى

وقولوا كما قال آدم:

قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ

وقولوا كما قال نوح:

وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ

وقولوا كما قال يونس:

لا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

. وقال الإمام أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم" ورواه أبو داود بإسناد حسن

وقال الحسن: "إن الفتنة والله ما هي إلا عقوبة من الله عز وجل على الناس" ونظر بعض أنبياء بني إسرائيل إلى ما يصنع بهم بختنصر فقال: بما كسبت أيدينا سلطت علينا من لا يعرفك ولا يرحمنا وقال: بختنصر لدانيال ما الذي سلطني على قومك قال: عظم خطيئتك وظلم قومي أنفسهم" وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عمار بن ياسر وحذيفة

قال ﷺ: «إن الله عز وجل إذا أراد بالعباد نقمة أمات الأطفال وأعقم أرحام النساء فتنزل النقمة وليس فيهم مرحوم»

وذكر عن مالك بن دينار قال: قرأت في الحكمة يقول الله عز وجل: "أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم" وفي مراسيل الحسن: "إذا أراد الله بقوم خيرا جعل أمرهم إلى حلمائهم وفيئهم عند سمحائهم وإذا أراد بقوم شرا جعل أمرهم إلى سفائهم وفيئهم عند بخلائهم" وذكر الإمام أحمد وغيره عن قتادة قال:قال موسى: "يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض فما علامة غضبك من رضاك قال: إذا استعملت عليكم خياركم فهو علامة رضاي، وإذا استعملت عليكم شراركم فهو علامة سخطي".

وذكر ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض قال: أوحى الله إلى بعض الأنبياء: "إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني: وذكر أيضا من حديث ابن عمر يرفعه: "والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء كذبه ووزراء فجرة وأعوانا خونة وعرفاء ظلمة وقراء فسقة سيماهم سيماء الرهبان وقلوبهم أنتن من الجيف أهواؤهم مختلفة فيفتح الله لهم فتنة غبراء مظلمة فيتهاوكون فيها والذى نفس محمد بيده لينقضن الإسلام عروة عروة حتى لا يقال: الله الله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم ولا يوقر كبيركم" وفي معجم الطبراني وغيره من حديث سعيد بن جبير عن بن عباس قال:

قال ﷺ: «ما طفف قوم كيلا ولا بخسوا ميزانا إلا منعهم الله عز وجل القطر وما ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت وما ظهر في قوم الربا إلا سلط الله عليهم الجنون ولا ظهر في قوم القتل يقتل بعضهم بعضا إلا سلط الله عليهم عدوهم ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم»

ورواه ابن أبي الدنيا من حديث إبراهيم بن الأشعث عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن سعيد به وفى المسند وغيره من حديث عروة عن عائشة قالت: " دخلت علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حفزه النفس فعرفت في وجهه أن قد حفزه شيء فما سألته مهابة له."

وقال العمري الزاهد: إن من غفلتك عن نفسك وإعراضك عن الله أن ترى ما يسخط الله فتتجاوزه ولا تأمر فيه ولا تنهى عنه خوفا ممن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا" وقال من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة من المخلوقين نزعت منه الطاعة ولو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخف بحقه وذكر الإمام أحمد في مسنده من حديث قيس بن أبي حازم قال: قال أبو بكر الصديق: "يأيها الناس إنكم تتلون هذه الآية وإنكم تضعونها على غير موضعها

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ

وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه وفي لفظ إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده" وذكر الأوزاعى عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال:

قال ﷺ: «إذا خفيت الخطيئة فلا تضر إلا صاحبها وإذا ظهرت فلم تغير ضرت العامة»

وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب: "توشك القرى أن تخرب وهي عامرة؟ قيل: وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها على أبرارها وساد القبيلة منافقوها" وذكر الأوزاعي عن حسان بن أبي عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "شرار أمتي على خيارها يأكلونهم كما يأكل النار الحطب."

وذكر ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس يرفعه قال: "يأتي زمان يذوب فيه قلب المؤمن كما يذوب الملح في الماء قيل: مما ذاك يا رسول الله؟ قال: مما يرى من المنكر لا يستطيع تغييره " وذكر الإمام أحمد من حديث جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله لم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب" وفي صحيح البخاري عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع عليه أهل النار فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال:إني كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه" وذكر الإمام أحمد عن مالك بن دينار قال: "كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى منزله الرجال والنساء فيعظهم ويذكرهم بأيام الله فرأى بعض بنيه يوما يغمز النساء فقال: مهلا يا بني فسقط من سريره فانقطع نخاعه وأسقطت امرأته وقتل بنوه فأوحى إلى الله إلى نبيهم أن أخبر فلانا الحبر لا أخرج من صلبك صديقا أبدا ما كان غضبك لي إلا أن قلت: مهلا يا بني" وذكر الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلا كمثل القوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجاء ذا بعود وذا بعود حتى جمعوا سواداً وأججوا ناراً وأنضجوا ما قذفوا فيها، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه."

وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال: "إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر وإنا كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات" وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت النار لا هي أطعمتها ولا سقتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض" وفي الحلية لأبي نعيم عن حذيفة أنه قيل له: في يوم واحد تركت بنوا إسرائيل دينهم؟ قال: لا ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه وإذا نهوا عن شيء فعلوه حتى انسخلوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه" ومن هاهنا قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر كما أن القُبلة بريد الجماع والغناء بريد الزنا والنظر بريد العشق والمرض بريد الموت" وفي الحلية أيضا عن ابن عباس أنه قال: "يا صاحب الذنب لا تأمن سوء عاقبته ولما يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته قلة حياتك ممن على اليمين وعلى الشمال وأنت على الذنب أعظم من الذنب وضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب ويحك هل تدري ما كان ذنب أيوب عليه السلام فابتلاه الله بالبلاء في جسده وذهاب ماله؟ استغاث به مسكين على ظالم يدرؤه عنه فلم يغنه ولم ينه الظالم عن ظلمه فابتلاه الله"

وقال الفضيل بن عياض: بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى يا موسى إن أول من مات من خلقي إبليس وذلك أنه عصاني وإنما أعد من عصاني من الأموات وفي المسند وجامع الترمذي من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن إذا أذنب "ذنبا" نكت في قلبه نكتة سوداء فإذا تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكره الله عز وجل:

كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

قال الترمذي هذا حديث صحيح وقال حذيفة: "إذا أذنب العبد "ذنبا" نكت في قلبه نكتة سوداء حتى يصير قلبه كالشاة الربداء" وقال الإمام أحمد حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أما بعد يا معشر قريش فإنكم أهل لهذا الأمر ما لم تعصوا الله فإذا عصيتموه بعث عليكم من يلحاكم كما يلحى هذا القضيب بقضيب في يده ثم لحى قضيبه فإذا هو أبيض يصلد" وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: إن الرب عز وجل قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل: "إني إذا أطعت رضيت وإذا رضيت باركت وليس لبركتي نهاية، وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من الولد".

وذكر أيضا عن وكيع حدثنا زكريا عن عامر قال: كتبت عائشة إلى معاوية: "أما بعد فإن العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامده من الناس ذاما" ذكر أبو نعيم بن أبي الجعد عن أبي الدرداء قال: "ليحذر امرؤ أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر ثم قال: أتدري مم هذا؟ قلت: لا قال: إن العبد يخلو بمعاصي الله فيُلقى الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر" وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه عن محمد بن سيرين: أنه لما ركبه الدين اغتم لذلك فقال: إني لا أعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة وهاهنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب وهي أنهم لا يرون تأثيره في الحال وقد يتأخر تأثيره فينسى ويظن العبد أنه لا يغير بعد ذلك وأن الأمر كما قال القائل:

إذا لم يغبر حائط في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبار

وسبحان الله ماذا أهلكت هذه النكتة من الخلق؟ وكم أزالت من نعمة؟ وكم جلبت من نقمة؟ وما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلاء فضلا عن الجهال ولم يعلم المغتر أن الذنب ينقض ولو بعد حين كما ينقض السهم وكما ينقض الجرح المندمل على الغش والدّغل وقد ذكر الإمام أحمد عن أبي الدرداء: "أعبدوا الله كأنكم ترونه وعدوا أنفسكم في الموتى واعلموا أن قليلا يكفيكم خير من كثير يلهيكم واعلموا أن البر لا يبلى وأن الإثم لا يُنسى"

هذا مع أن للذنب نقدا معجلا لا يتأخر عنه قال سليمان التيمي إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته وقال يحيي بن معاذ الرازي: عجبت من ذي عقل يقول في دعائه: اللهم لا تشمت بي الأعداء ثم هو يشمِّت بنفسه كل عدو له قيل: وكيف ذلك؟ قال: يعصى الله فيشمت به في القيامة كل عدو وقال ذي النون: من خان الله في السر هتك ستره في العلانية

فصل 1

وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله فمنها: حرمان العلم فإن العلم نور يقذفه الله في القلب والمعصية تطفىء ذلك النور ولما جلس الإمام الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته وتوقد ذكائه وكمال فهمه فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية وقال الشافعي رحمه الله:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بان العلم فضل وفضل الله لا يؤتاه عاصي

ومنها: حرمان الرزق وفي المسند "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه"

ومنها: وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله لايوازنها ولايقارنها لذة أصلا ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة وهذا أمر لا يحس به إلا من في قلبه حياة وما لجرح بميت إيلام فلو لم تترك الذنوب إلا حذرا من وقوع تلك الوحشة لكان العاقل حريا بتركها وشكا رجل إلى بعض العارفين وحشة يجدها في نفسه فقال له:

إذا كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنس

وليس على القلب أمر من وحشة الذنب على الذنب فالله المستعان ومنها: الوحشة التي تحصل له بينه وبين الناس ولاسيما أهل الخير منهم فإنه يجد وحشة بينه وبينهم وكلما قويت تلك الوحشة بَعُد منهم ومن مجالستهم وحرم بركة الانتفاع بهم وقرب من حزب الشيطان بقدر ما بعد من حزب الرحمن وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم فتقع بينه وبين امرأته وولده وأقاربه وبينه وبين نفسه فتراه مستوحشا من نفسه وقال بعض السلف إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلق دابتي وامرأتي ومنها: تعسير أموره عليه فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقا دونه أو متعسرا عليه وهذا كما أن من اتقى الله جعل له من أمره يسرا فمن عطل التقوى جعل الله له من أمره عسرا ويالله العجب ! كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة عنه متعسرة عليه وهو لايعلم من أين أتى؟

ومنها: ظلمته يجدها في قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم ادلهَمّ فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره فإن الطاعة نور والمعصية ظلمة وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع

قال عبد الله بن عباس: "إن للحسنة ضياء في الوجه ونورا في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة سوادا في الوجه وظلمة في القلب ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق" ومنها: أن المعاصي توهن القلب والبدن أما وهنها للقلب فأمر ظاهر بل لاتزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية وأما وهنها للبدن فإن المؤمن قوته في قلبه وكلما قوى قلبه قوى بدنه وأما الفاجر فإنه وإن كان قوى البدن فهو أضعف شيء عند الحاجة فتخونه قوته عند أحوج ما يكون إلى نفسه وتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم عند أحوج ما كانوا إليها وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم؟ ومنها: حرمان الطاعة فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن يصد عن طاعة تكون بدله وتقطع طريق طاعة أخرى فينقطع عليه طريق ثالثة ثم رابعة وهلم جرا فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها وهذا كرجل أكل أكلة أوجبت له مرضة طويلة منعته من عدة أكلات أطيب منها والله المستعان ومنها: أن المعاصي تقصر العمر وتمحق بركته ولابد فإن البر كما يزيد في العمر فالفجور يقصر العمر وقد اختلف الناس في هذا الموضع فقالت طائفة: نقصان عمر العاصي هو ذهاب بركة عمره ومحقها عليه

وقالت طائفة: بل تنقصه حقيقة كما تنقص الرزق فجعل الله سبحانه للبركة في الرزق أسبابا كثيرة تكثره وتزيده وللبركة في العمر أسبابا تكثره وتزيده قالوا: ولا يمتنع زيادة العمر بأسباب كما ينقص بأسباب فالأرزاق والآجال والسعادة والشقاوة والصحة والمرض والغنى والفقر وإن كانت بقضاء الربّ عز وجل فهو يقضي ما يشاء بأسباب جعلها موجبة لمسبباتها مقتضية لها وقالت طائفة: أخرى تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن حقيقة الحياة هي حياة القلب ولهذا جعل الله سبحانه الكافر ميتا غير حي كما قال تعالى:

أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ

فالحياة في الحقيقة حياة القلب وعمر الإنسان مدة حياته فليس عمره إلا أوقات حياته بالله فتلك ساعات عمره فالبر والتقوى والطاعة تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره ولا عمر له سواها وبالجملة فالعبد إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد ِغبّ إضاعتها يوم يقول:

يا ليتني قدمت لحياتي

فلا يخلوا إما أن يكون له مع ذلك تطلع إلى مصالحه الدنيوية والأخروية أو لا فإن لم يكن له تطلع إلى ذلك فقد ضاع عليه عمره كله وذهبت حياته باطلا وإن كان له تطلع إلى ذلك طالت عليه الطريق بسبب العوائق وتعسرت عليه أسباب الخير بحسب اشتغاله بأضدادها وذلك نقصان حقيقي من عمره وسر المسألة أن عمر الإنسان مدة حياته ولا حياة له إلا بإقباله على ربه والتنعم بحبه وذكره وإيثار مرضاته

ومنها أن المعاصي تزرع أمثالها وتولد بعضها بعضا حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها وأن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها: اعملني أيضا فإذا عملها قالت الثالثة كذلك وهلم جرا فيتضاعف الربح وتزايدت الحسنات وكذلك كانت السيئات أيضا حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه وضاقت عليه الأرض بما رحبت وأحس من نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء حتى يعاودها فتسكن نفسه وتقر عينه ولو عطل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسه وضاق صدره وأعيت عليه مذاهبه حتى يعاودها حتى إن كثيرا من الفساق ليواقع المعصية من غير لذة يجدها ولا داعية إليها إلا لما يجد من الألم بمفارقتها كما صرح بذلك شيخ القوم الحسن بن هاني حيث يقول:

وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها

وقال الآخر:

فكانت دوائى وهي دائي بعينه كما يتداوى شارب الخمر بالخمر

لايزال العبد يعاني الطاعة ويألفها ويحبها ويؤثرها حتى يرسل الله سبحانه وتعالى برحمته عليه الملائكة تؤزه إليها أزا وتحرضه عليها وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها ولايزال يألف المعاصي ويحبها ويؤثرها حتى يرسل الله عليه الشياطين فتؤزه إليها أزا فالأول قوى جند الطاعة بالمدد فصاروا من أكبر أعوانه وهذا قوى جند المعصية بالمدد فكانوا أعوانا عليه.

ومنها وهو من أخوفها على العبد أنها تضعف القلب عن إرادته فتقوى إرادة المعصية وتضعف إرادة التوبة شيئا فشيئا إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية فلو مات نصفه لما تاب إلى الله فيأتي بالاستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيء كثير وقلبه معقود بالمعصية مصر عليها عازم على مواقعتها متى أمكنه وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك فصل: ومنها: أنه ينسلخ من القلب استقباحها فتصير له عادة فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له ولا كلامهم فيه وهو عند أرباب الفسوق هو غاية التفكه وتمام اللذة حتى يفتخر أحدهم بالمعصية ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها فيقول: يا فلان عملت كذا وكذا وهذا الضرب من الناس لا يعافون ويسد عليهم طريق التوبة وتغلق عنهم أبوابها في الغالب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي معافا إلا المجاهرين وإن من الإجهار أن يستر الله العبد ثم يصبح يفضح نفسه ويقول: يا فلان عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا فتهتك نفسه وقد بات يستره ربه" ومنها: أن كل معصية من المعاصي فهي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها الله عز وجل فاللوطية ميراث عن قوم لوط وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص ميراث عن قوم شعيب والعلو في الأرض بالفساد ميراث عن قوم فرعون والتكبر والتجبر ميراث عن قوم هود فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم وهم أعداء الله وقد روى عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه عن مالك بن دينار قال: "أوحى الله إلى نبي من الأنبياء: قل لقومك لا يأكلوا مطاعم أعدائي ولا يشربوا مشارب أعدائي ولا يركبوا مراكب أعدائي فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي".

وفي مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم"

فصل 2

ومنها: أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد كما قال الله تعالى:

وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ

وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم أو خوفا من شرهم فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه ومنها: أن العبد لا يزال يرتكب الذنوب حتى يهون عليه ويصغر في قلبه وذلك علامة الهلاك فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن مسعود قال: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار"

فصل 3

ومنها: أن غيره من الناس والدّواب يعود عليه شؤم ذنبه فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم كما قال أبو هريرة: إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم.

وقال مجاهد: إن الهائم تلعن عصاة بنى آدم إذا اشتدت السنة وأمسك المطر وتقول: هذا بشؤم معصية ابن ادم وقال عكرمة: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم. فلا يكفيه عقاب ذنبه حتى يبوء بلعنه من لا ذنب له

فصل 4

ومنها: أن المعصية تورث الذل ولا بد فإن العز كل العز في طاعة الله تعالى قال تعالى:

مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ا

أي فليطلبها بطاعة الله فإنه لا يجدها إلا في طاعة الله وكان من دعاء بعض السلف: "اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك" قال الحسن البصري: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه وقال عبد الله بن المبارك:

رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها؟

ومنها: أن المعاصي تفسد العقل فإن للعقل نورا والمعصية تطفيء نور العقل ولابد وإذا طفئ نوره ضعف ونقص

وقال بعض السلف: ما عصى الله أحد حتى يغيب عقله وهذا ظاهر فإنه لو حضره عقله لحجزه عن المعصية وهو في قبضة الرب تعالى أو قهره هو مطلع عليه وفي داره وعلى بساطه وملائكته شهود عليه ناظرون إليه وواعظ القرآن ينهاه وواعظ الإيمان ينهاه وواعظ الموت ينهاه وواعظ النار ينهاه والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف به ذو عقل سليم

فصل 5

ومنها: أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين كما قال بعض السلف: في قوله تعالى:

كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

قال هو الذنب بعد الذنب وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية فإذا زادت غلب الصدأ حتى يصير رانا ثم يغلب حتى يصير طبعا وقفلا وختما فيصير القلب في غشاوة وغلاف فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس فصار أعلاه أسفله فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد.

فصل 6

ومنها: أن الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لعن على معاصي والتي غيرها أكبر منها فهي أولى بدخول فاعلها تحت اللعنة

وقد لعن الله "في كتابه" من أفسد فى الأرض وقطع رحمه وآذاه وآذى رسوله صلى الله عليه وسلم ولعن من كتم ما أنزل الله سبحانه من البينات والهدى ولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة ولعن من جعل سبيل الكافر أهدى من سبيل المسلم ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل.

فلو لم يكن في فعل ذلك إلا رضاء فاعله بأن يكون ممن يعلنه الله ورسوله وملائكته لكان في ذلك ما يدعو إلى تركه.

فصل 7

ومنها: حرمان دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوة الملائكة فإن الله سبحانه أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات وقال تعالى:

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

فهذا دعاء الملائكة للمؤمنين التائبين المتبعين لكتابه وسنة رسوله الذين لا سبيل لهم غيرهما فلا يطمع غير هؤلاء بإجابة هذه الدعوة إذا لم يتصف بصفات المدعو له بها والله المستعان

فصل 8

ومن عقوبات المعاصي ما رواه البخاري في صحيحه من حديث سمرة بن جندب قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا فيقص عليه ما شاء الله أن يقص وإنه قال لنا ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما انبعثا لي وإنهما قالا لي: انطلق وإني انطلقت معهما وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا رجل مستلق لقفاه وآخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا رجال ونساء عراة في تنور".

أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلوة المكتوبة وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا

وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة وفي رواية البرقاني: ولد على الفطرة فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاد المشركين وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم

فصل 9

ومن آثار الذنوب والمعاصي: أنها تحدث في الأرض أنواعا من الفساد في المياه والهوى والزروع والثمار والمساكن قال تعالى:

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

قال مجاهد: إذا ولي الظالم سعى بالظلم "والفساد" فيحبس الله بذلك القطر فيهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ثم قرأ

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا ولكن كل قرية على ماء جار فهو بحر وقال عكرمة: ظهر الفساد في البر والبحر أما إني لا أقول لكم: بحركم هذا ولكن كل قرية على ماء وقال قتادة: أما البر فأهل العمود وأما البحر فأهل القرى والريف قلت: وقد سمى الله تعالى الماء العذب بحرا فقال:

هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ

وليس في الآية ما يمنع أن يكون المراد بالبحر الماء الملح أيضا.

قلت: أراد أن الذنوب سبب الفساد الذي ظهر وإن أراد أن الفساد الذي ظهر هو الذنوب نفسها فيكون اللام في قوله:

لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا

لام العاقبة والتعليل وعلى الأول: فالمراد بالفساد والنقص والشر والآلام التي يحدثها الله فى الأرض بمعاصي العباد فكلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم عقوبة كما قال بعض السلف: كلما أحدثتم ذنبا أحدث الله لكم من سلطانه عقوبة والظاهر والله أعلم أن الفساد المراد به الذنوب وموجباتها ويدل عليه قوله تعالى:

لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ

فهذا حالنا وإنما أذاقنا الشيء اليسير من أعمالنا ولو أذاقنا كل أعمالنا لما ترك على ظهرها من دابة ومن تأثير المعاصي في الأرض: ما يحل بها من الخسف والزلازل ويمحق بركتها وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديار ثمود فمنعهم من دخول ديارهم إلا وهم باكون ومن شرب مياههم ومن الاستسقاء من أبارهم حتى أمر أن يعلف العجين الذي عجن بمياههم لنواضح لتأثير شؤم المعصية في الماء وكذلك تأثير شؤم الذنوب في نقص الثمار وما ترى به من الآفات وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده في ضمن حديث قال: "وجدت في خزائن بعض بني أمية حبة حنطة الحبة بقدر نواة التمرة وهي في صرة مكتوب عليها: هذا كان ينبت في زمن من العدل" وكثير من هذه الآفات أحدثها الله سبحانه وتعالى بما أحدث العباد من الذنوب

وأما تأثير الذنوب في الصور والخلق فقد روى الترمذي في جامعه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خلق الله آدم وطوله في السماء ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن" فإذا أراد الله أن يطهر الأرض من الظلمة والفجرة والخونة يخرج عبدا من عباده من أهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم فيملأ الأرض قسطا كما ملئت جورا ويقتل المسيح اليهود والنصارى ويقيم الدين الذي بعث الله به رسوله وتخرج الأرض بركتها وتعود كما كانت حتى إن العصابة من الناس ليأكلون الرمانة ويستظلون بقحفها ويكون العنقود من العنب وقر بعير وأن اللقحة الواحدة لتكفي الفئام من الناس وهذا لأن الأرض لما طهرت من المعاصي ظهرت فيها آثار البركة من الله تعالى التي محقتها الذنوب والكفر ولاريب أن العقوبات التي أنزلها الله في الأرض بقية آثارها سارية في الأرض تطلب ما يشاركها من الذنوب التي هي آثار تلك الجرائم التي عذبت بها الأمم فهذه الآثار في الأرض من آثار العقوبات كما أن هذه المعاصي من آثار الجرائم فتناسبت كلمة الله وحكمه الكوني أولا وآخرا وكان العظيم من العقوبة للعظيم من الجناية والأخف للأخف وهكذا يحكم سبحانه بين خلقه في دار البرزخ ودار الجزاء وتأمل مقارنة الشيطان ومحله وداره فإنه لما قارن العبد واستولى عليه نزعت البركة من عمره وعمله وقوله ورزقه ولما أثرت طاعته في الأرض ما أثرت

فصل 10

ومن عقوبات الذنوب: أنها تطفئ من القلب نار الغيرة التي هي لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن فالغيرة حرارته وناره التي تخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة كما يخرج الكير خبث الذهب والفضة والحديد وأشرف الناس وأعلاهم وهمة أشدهم غيرة على نفسه وخاصته وعموم الناس ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أغير الخلق على الأمة والله سبحانه أشد غيرة منه كما ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه والله أغير مني" وفي الصحيح أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:في خطبة الكسوف: "يا أمة محمد ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته"0 وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال: "لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك أثنى على نفسه" فجمع في هذا الحديث بين الغيرة التي أصلها كراهة القبائح وبغضها وبين محبة العذر الذي يوجب كمال العدل والرحمة والإحسان والله سبحانه مع شدة غيرته يحب أن يعتذر إليه عبده ويقبل عذر من اعتذر إليه وإنه لا يؤاخذ عبيده بارتكاب ما يغار من ارتكابه حتى يعذر إليهم ولأجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه إعذارا وإنذارا وهذا غاية المجد والإحسان ونهاية الكمال فإن كثيرا ممن تشتد غيرته من المخلوقين يحمله شدة الغيرة على سرعة الإيقاع والعقوبة من غير إعذار منه ومن غير قبول لعذر من اعتذر إليه.

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن من الغيرة ما يحبها الله ومنها ما يبغضها الله فالتي يبغضها الله الغيرة في غير ريبة" وذكر الحديث وإنما الممدوح اقتران الغيرة بالعذر فيغار في محل الغيرة ويعذر في موضع العذر ومن كان هكذا فهر الممدوح حقا ولما جمع سبحانه صفات الكمال كلها كان أحق بالمدح من كل أحد ولايبلغ أحد أن يمدحه كما ينبغي له بل هو كما مدح نفسه وأثنى على نفسه فالغيور قد وافق ربه سبحانه في صفة من صفاته ومن وافق الله في صفه من صفاته قادته تلك الصفة إليه بزمامه وأدخلته على ربه وأدنته منه وقربته من رحمته وصيرته محبوبا له فإنه سبحانه رحيم يحب الرحماء كريم يحب الكرماء عليم يحب العلماء قوي يحب المؤمن القوي وهو أحب إليه من المؤمن الضعيف حييٌ يحب أهل الحياء جميل يحب أهل الجمال وتر يحب أهل الوتر ولو لم يكن في الذنوب والمعاصي إلا أنها توجب لصاحبها ضد هذه الصفات وتمنعه من الاتصاف بها لكفى بها عقوبة فإن الخطرة تنقلب وسوسة والوسوسة تصير إرادة والإرادة تقوى فتصير عزيمة ثم تصير فعلا ثم تصير صفة لازمة وهيئة ثابتة راسخة وحينئذ يتعذر الخروج منها كما يتعذر الخروج من صفاته القائمة به والمقصود أنه كلما اشتدت ملابسته للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس.

💎 وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة ومن لا غيرة له لا دين له فالغيرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح فتدفع السوء والفواحش وعدم الغيرة تميت القلب فتموت الجوارح فلا يبقى عندها دفع البتة ومثل الغيرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض وتقاومه فإذا ذهبت القوة وجد الداء المحل قابلا ولم يجد دافعا فتمكن فكان الهلاك ومثلها مثل صياصي الجاموس التي يدفع بها عن نفسه وولده فإذا كسرت طمع فيه عدوه

وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة ومن لا غيرة له لا دين له فالغيرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح فتدفع السوء والفواحش وعدم الغيرة تميت القلب فتموت الجوارح فلا يبقى عندها دفع البتة ومثل الغيرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض وتقاومه فإذا ذهبت القوة وجد الداء المحل قابلا ولم يجد دافعا فتمكن فكان الهلاك ومثلها مثل صياصي الجاموس التي يدفع بها عن نفسه وولده فإذا كسرت طمع فيه عدوه.

فصل 11

ومن عقوباتها ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب وهو أصل كل خير وذهابه ذهاب الخير أجمعه وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الحياء خير كله" وقال" إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت" وفيه تفسيران:

والثاني: أن الفعل إذا لم تستح من الله فافعله وإنما الذي ينبغي تركه هو ما يستحي منه من الله وهذا تفسير الإمام أحمد في رواية ابن هانئ فعلى الأول يكون تهديدا كقوله:

اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ

وعلى الثاني يكون إذنا وإباحة فإن قيل: فهل من سبيل إلى حمله على المعنيين؟ قلت: لا ولا على قول من يحمل المشترك على جميع معانيه لما بين الإباحة والتهديد من المنافاة ولكن اعتبار أحد المعنيين يوجب اعتبار الآخر والمقصود أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية حتى إنه ربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه بل كثير منهم يخبر عن حاله وقبح ما يفعل والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء وإذا وصل العبد إلى هذه الحالة لم يبق في صلاحه مطمع.

وإذا رأى إبليس طلعة وجهه حيا وقال فديت من لا يفلح

والحياء مشتق من الحياة والغيث يسمى حيا بالقصر لأن به حياة الأرض والنبات والدواب وكذلك سميت بالحياء حياة الدنيا والآخرة فمن لا حياء فهو ميت في الدنيا شقي في الآخرة وبين الذنوب وبين قلة الحياء وعدم الغيرة تلازم من الطرفين وكل منهما يستدعي الآخر ويطلبه حثيثا ومن استحي من الله عند معصيته استحى الله من عقوبته يوم يلقاه ومن لم يستح من الله تعالى من معصيته لم يستح الله من عقوبته.

ومن عقوبات الذنوب: أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله وتضعف وقاره في قلب العبد ولابد شاء أم أبى ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه وربما اغتر المغتر وقال: إنما يحملني على المعاصي حسن الرجاء وطمعي في عفوه لا ضعف عظمته في قلبي وهذا من مغالطة النفس فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد "تقتضي تعظيم حرماته" وتعظيم حرماته تحول بينه وبين الذنوب والمتجرئون على معاصيه ما قدروا الله حق قدره وكيف يقدره حق قدره أو يعظمه و يكبره و يرجو وقاره ويجله من يهون عليه أمره ونهيه؟ هذا من أمحل المحال وأبين الباطل وكفى بالعاصي عقوبة أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله وتعظيم حرماته ويهون عليه حقه ومن بعض عقوبة هذا: أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق ويهون عليهم ويستخفون به كما هان عليه أمره واستخف به فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق وعلى قدر تعظيمه الله وحرماته يعظمه الناس وكيف ينتهك عبد حرمات الله ويطمع أن لا ينتهك الناس حرماته؟ أم كيف يهون عليه حق الله ولا يهونه الله على الناس؟ أم كيف يستخف بمعاصي الله ولا يستخف به الخلق وقد أشار سبحانه إلى هذا في كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب وأنه أركس أربابها بما كسبوا وغطى على قلوبهم وطبع عليها بذنوبهم وأنه نسيهم كما نسوه وأهانهم كما أهانوا دينه وضيعهم كما ضيعوا أمره ولهذا قال تعالى في آية سجود المخلوقات له:

وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ

فإنهم لما هان عليهم السجود له واستخفوا به ولم يفعلوه أهانهم الله فلم يكن لهم من مكرم.

فصل 12

ومن عقوباتها: أنها تستدعى نسيان الله لعبده وتركه وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه وهناك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة قال الله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

فأمر بتقواه ونهي أن يتشبه عباده المؤمنون بمن نسيه بترك تقواه وأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه أي أنساه مصالحها وما ينجيها من عذابه وما يوجب له الحياة الأبدية وكمال لذتها وسرورها ونعيمها فأنساه الله ذلك كله جزاء لما نسيه من عظمته وخوفه والقيام بأمره فترى العاصي مهملا لمصالح نفسه مضيعا لها وقد أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا قد انفرطت عليه مصالح دنياه وآخرته وقد فرط في سعادته الأبدية واستبدل بها أدني ما يكون من لذة إنما هي سحابة صيف أو خيال طيف كما قيل:

أحلام نوم أو كظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع

وأعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه وإهمال لها وإضاعته حظها ونصيبها من الله وبيعه ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن فضيع من لا غنى له عنه ولا عوض له منه واستبدل به من عنه كل الغنى أو منه كل العوض.

من كل شيء إذا ضيعته عوض وليس في الله إن ضيعت من عوض

فالله سبحانه يعوض كل ما سواه ولا يعوض منه شيء ويغني عن كل ما سواه ولا يغني عنه شيء.

فصل 13

ومن عقوباتها: أنها تخرج العبد من دائرة الإحسان وتمنعه ثواب المحسنين فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه عن المعاصي فإن من عبد الله كأنه يراه لم يكن ذلك إلا لاستيلاء ذكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه بحيث يصير كأنه يشاهده وذلك يحول بينه وبين إرادة المعاصي فضلا عن مواقتها فإذا خرج من دائرة الإحسان فإنه صحب رفقته الخاصة وعيشهم الهنيء ونعيمهم التام فإن أراد الله به خيرا أقره في دائرة عموم المؤمنين فإن عصاه بالمعاصي التي تخرجه من دائرة الإيمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربه وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع إليه الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن" فإياكم إياكم والتوبة معروضة بعد ذلك لمن تاب.

فصل 14

ومن فاته رفقة المؤمنين وحسن دفاع الله عنهم فإن الله يدافع عن الذين آمنوا وفاته كل خير رتبه الله في كتابه على الإيمان وهو نحو مائة خصلة

فمنها الأجر العظيم:

وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً

ومنها الدفع عنهم شرور الدنيا والآخرة:

إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا

ومنها استغفار الملائكة حملة العرش لهم:

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا

ومنها موالاة الله لهم ولا يذل من مولاه الله قال الله تعالى:

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا

ومنها أمره ملائكته بتثبيتهم:

إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا

ومنها أن لهم الدرجات عند ربهم والمغفرة والرزق الكريم ومنها العزة:

وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ

ومنها معية الله لأهل الإيمان:

وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ

ومنها الرفعه في الدنيا والآخرة:

يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ

ومنها إعطاؤهم كفلين من رحمته وإعطاؤهم نورا يمشون به ومغفرة ذنوبهم ومنها الود الذي يجعله سبحانه لهم وهو أنه يحبهم يحببهم إلى ملائكته وأنبيائه وعباده الصالحين:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً

.

ومنها: أنهم المنعم عليهم الذين أمرنا أن نسأله أن يهدينا إلى صراطهم في كل يوم وليلة سبع عشرة مرة ومنها أن القرآن إنما هو هدى لهم وشفاء:

قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ

والمقصود أن الإيمان سبب جالب لكل خير وكل خير في الدنيا والآخرة فسببه الإيمان وكل شرر في الدنيا فسببه عدم الإيمان فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئا يخرجه من دائرة الإيمان ويحول بينه وبينه ولكن لا يخرج من دائرة عموم المسلمين؟ فإن استمر على الذنوب وأصر عليها خيف عليه أن يرين قلبه فيخرجه عن الإسلام بالكلية ومن هاهنا اشتد خوف السلف كما قال بعضهم: أنتم تخافون الذنوب وأنا أخاف الكفر.

فصل 15

ومن عقوباتها: أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة أو تعوقه أوتوقفه وتقطعه عن السير فلا تدعه يخطوا إلى الله خطوة هذا إن لم ترده عن وجهته إلى ورائه فالذنب يحجب الواصل ويقطع السائر وينكس الطالب والقلب إنما يسير إلى الله بقوته فإذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي تسيره فإن زالت بالكلية انقطع عن الله انقطاعا يبعد تداركه والله المستعان فالذنب إما أن يميت القلب أو يمرضه مرضا مخوفا أو يضعف قوته ولا بد حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ منها النبي صلى الله

فالهم والحزن قرينان فإن المكروه الوارد على القلب إن كان من أمر مستقبل يتوقعه أحدث الهم وإن كان من أمر ماض قد وقع أحدث الحزن والعجز والكسل قرينان فإن تخلف العبد عن أسباب الخير والفلاح إن كان لعدم قدرته فهو العجز وإن كان لعدم إرادته فهو الكسل والجبن والبخل قرينان فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن وإن كان بماله فهو البخل وضلع الدين وقهر الرجال قرينان فإن استعلاء الغير عليه إن كان بحق فهو من ضلع الدين وإن كان بباطل فهو قهر الرجال والمقصود أن الذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لهذه الثمانية كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة: "لجهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء" ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم الله تعالى وتقدس وتحول عافيته إلى نقمته وتجلب جميع سخطه.

فصل 16

ومن عقوبات الذنوب: أنها تزيل النعم وتحل النقم فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب ولا حلت به نقمة إلا بذنب كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة" وقد قال تعالى:

وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ

فأخبر الله تعالى أنه لا يغير نعمه التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه فيغير طاعة الله بمعصيته وشكره بكفره وأسباب رضاه بأسباب سخطه فإذا غير غُير عليه جزاء وفاقا

وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

فإن غير المعصية بالطاعة غير الله عليه العقوبة بالعافية والذل بالعز وقال تعالى:

إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ

وفي بعض الآثار الإلهية عن الرب تبارك وتعالى أنه قال: "وعزتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب ثم ينتقل عنه إلى ما أكره إلا انتقلت له مما يجب إلى ما يكره ولا يكون عبد من عبيدي على ما أكره ثم ينتقل عنه إلى ما أحب إلا انتقلت له مما يكره إلى ما يحب" ولقد أحسن القائل:

إذا كنت في نعمة فارعها فإن الذنوب تزيل النعم
وحِطها بطاعة رب العباد فرب العباد سريع النقم
وإياك والظلم مهما استطعت فظلم العباد شديد الوخم
وسافر بقلبك بين الورى لتبصر آثار من قد ظلم
فتلك مساكنهم بعدهم شهود عليهم ولاتتهم
وما كان شيء عليهم أضر من الظلم وهو الذي قد قصم
فكم تركوا من جنان ومن قصور وأخرى عليهم أطم
صلوا بالجحيم وفات النعيم وكان الذي نالهم كالحلم

ومن عقوباتها: ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي فلا تراه إلا خائفا مرعوبا فإن الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبة الدنيا والآخرة ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه أمانا ومن عصاه انقلبت مأمنه مخاوف فلا تجد العاصي إلا وقلبه كأنه بين جناحي طائر إن حركت الريح الباب قال: جاء الطلب وإن سمع وقع قدم خاف أن يكون نذيرا بالعطب يحسب أن كل صيحة عليه وكل مكروه قاصد إليه فمن خاف الله آمنه من كل شيء ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء:

بذا قضاء الله بين الخلق مذ خلقوا إن المخاوف والإجرام في قرن

ومن عقوباتها: أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب فيجد المذنب نفسه مستوحشا قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه وبينه وبين الخلق وبينه وبين نفسه وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة وأمرُّ العيش عيش المستوحشين الخائفين وأطيب العيش عيش المستأنسين فلو نظر العاقل ووازن بين لذة المعصية وما توقعه من الخوف والوحشة لعلم سوء حاله وعظيم غبنه إذ باع أنس الطاعة وأمنها وحلاوتها بوحشة المعصية وما توجبه من الخوف والضرر الداعي له كما قيل:

فإن كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنس

وسر المسألة أن الطاعة توجب القرب من الرب سبحانه فكلما اشتد القرب قوى الأنس والمعصية توجب البعد من الرب وكلما زاد البعد قويت الوحشة ولهذا يجد العبد وحشة بينه وبين عدوه للبعد الذي بينهما وإن كان ملابسا له

فصل 17

ومن عقوباتها: أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه فلا يزال مريضا معلولا لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان بل الذنوب أمراض القلوب وداؤها ولا دواء لها إلا تركها وقد أجمع السائرون إلى الله أن القلوب لا تعطي مناها حتى تصل إلى مولاها ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة ولا تكون صحيحة سليمة حتى ينقلب داؤها فيصير نفس دوائها ولا يصح لها ذلك إلا بمخالفة هواها فهواها مرضها وشفاؤها مخالفته فإن استحكم المرض قتل أو كاد وكما أن من نهى نفسه عن الهوى كانت الجنة مأواه كذلك يكون قلبه في هذه الدار في جنة عاجلة لا يشبه نعيم أهلها نعيما البتة بل التفاوت الذي بين النعيمين كالتفاوت الذي بين نعيم الدنيا والآخرة وهذا أمر لا يصدق به إلا من باشر قلبه هذا وهذا ولا تحسب أن قوله تعالى:

إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ

مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط بل في دورهم الثلاثة هم كذلك أعني دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار فهؤلاء في نعيم وهؤلاء في جحيم وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ وأي عذاب أشد من الخوف والهم والحزن وضيق الصدر وإعراضه عن الله والدار الآخرة وتعلقه بغير الله

وأما في البرزخ: فعذاب يقارنه ألم الفراق الذي لا يرجو عوده وألم فوات ما فاته من النعيم العظيم باشتغاله بضده وألم الحجاب عن الله وألم الحسرة التي تقطع الأكباد فالهم والغم والحسرة والحزن تعمل في نفوسهم نظير ما تعمل الهوام والديدان في أبدانهم بل عملها في النفوس دائم مستمر حتى يردها الله إلى أجسادها فحينئذ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمر فأين هذا من نعيم من يرقص قلبه طربا وفرحا وأنسا بربه واشتياقا إليه وارتياحا بحبه وطمأنينة بذكره؟ حتى يقول بعضهم في حال نزعه: واطرباه ويقول الآخر: إن كان أهل الجنة في مثل هذا الحال إنهم لفي عيش طيب ويقول الآخر: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا لذيذ العيش فيها وما ذاقوا أطيب ما فيها ويقول الآخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف ويقول الآخر: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة فيا من باع حظه الغالي بأبخس الثمن وغبن كل الغبن في هذا العقد وهو يرى أنه قد غبن إذا لم يكن لك خبرة بقيمة السلعة فسل المقوِّمين. فيا عجبا من بضاعة معك الله مشتريها وثمنها جنة المأوى والسفير الذي جرى على يديه عقد التبايع وضمن الثمن عن المشتري هو الرسول صلى الله عليه وسلم وقد بعتها بغاية الهوان كما قيل:

علي ثياب لو يباع جميعها ... بفلس لكان الفلس منهن أكثرا

وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ

فصل 18

ومن عقوباتها: أنها تعمي بصيرة القلب وتطمس نوره وتسد طرق العلم وتحجب مواد الهداية وقد قال مالك للشافعي رحمهما الله تعالى لما اجتمع به ورأى تلك المخايل إني أرى الله تعالى قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمه المعصية ولا يزال هذا النور يضعف ويضمحل وظلام المعصية يقوى حتى يصير القلب في مثل الليل البهيم فكم من مهلك يسقط فيه وهو لا يبصره كأعمى خرج بالليل في طريق ذات مهالك ومعاطب فيا عزة السلامة ويا سرة العطب ثم تقوى تلك الظلمات وتفيض من القلب إلى الجوارح فيغشى الوجه منها سواد بحسب قوتها وتزايدها فإذا كان عند الموت ظهرت في البرزخ فامتلأ القبر ظلمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة وإن الله منورها بصلاتي عليهم" فإذا كان يوم المعاد وحشر العباد علت الظلمة الوجوه علوا ظاهرا يراه كل أحد حتى يصير الوجه أسود مثل الحممه فيا لها من عقوبة لا توازن لذات الدنيا بأجمعها من أولها إلى آخرها فكيف يقسط العبد المنغص المنكد المتعب في زمن؟ إنما هو ساعة من حلم! والله المستعان.

فصل 19

ومن عقوباتها: أنها تصغر النفس وتقمعها وتدسيها وتحقرها حتى تكون أصغر شيء وأحقره.

وأصل التدسية: الإخفاء ومنه قوله تعالى:

أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ

فالعاصي يدس نفسه في المعصية ويخفي مكانها يتوارى من الخلق من سوء ما يأتي به قد انقمع عند نفسه وانقمع عند الله وانقمع عند الخلق فالطاعة والبر تكبر النفس وتعزها وتعليها حتى تصير أشرف شيء وأكبره وأزكاه وأعلاه ومع ذلك فهي أذل شيء وأحقره وأصغره لله تعالى وبهذا الذل حصل لها هذا العز والشرف والنمو فما صغر النفس مثل معصية الله وما كبرها وشرفها ورفعها مثل طاعة الله.

فصل 20

ومن عقوباتها: أن العاصي دائما في أسر شيطانه وسجن شهواته وقيود هواه فهو أسير مسجون مقيد ولا أسير أسوء حالا من أسير أسره أعدى عدو له ولا سجن أضيق من سجن الهوى ولا قيد أصعب من قيد الشهوة فكيف يسير إلى الله والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد؟ وكيف يخطو خطوة واحدة؟ وإذا قيد القلب طرقته الآفات من كل جانب بحسب قيوده ومثل القلب مثل الطائر كلما علا بعد عن الآفات وكلما نزل احتوشته الآفات وفي الحديث: "الشيطان ذئب الإنسان" وكما أن الشاة التي لا حافظ لها وهي بين الذئاب سريعة العطب فكذا العبد إذا لم يكن عليه حافظ من الله فذئبه مفترسه ولا بد وإنما يكون عليه حافظ من الله بالتقوى فهي وقاية وجنة حصينة بينه وبين ذئبه كما هي وقاية بينه وبين عقوبة الدنيا والآخرة وكلما كانت الشاة أبعد عن الراعي كانت أقرب إلى الذئب.

وأصل هذا كله: أن القلب كلما كان أبعد من الله كانت الآفات إليه أسرع وكلما كان أقرب من الله بعدت عنه الآفات والبعد من الله مراتب بعضها أشد من بعض فالغفلة تبعد القلب عن الله وبعد المعصية أعظم من بعد الغفلة وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله.

فصل 21

ومن عقوباتها: سقط الجاه والمنزلة والكرامة عند الله وعند خلقه فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم وأقربهم منه منزلة أطوعهم له وعلى قدر طاعة العبد تكون له منزلة عنده فإذا عصاه وخالف أمره سقط من عينه فأسقطه من قلوب عباده وإذا لم يبق له جاه عند الخلق وهان عليهم عاملوه على حسب ذلك فعاش بينهم أسوء عيش خامل الذكر ساقط القدر زريَّ الحال لا حرمة له فلا فرح له ولا سرور فإن خمول الذكر وسقوط القدر والجاه جالب كل غم وهم وحزن ولا سرور معه ولا فرح وأين هذا الألم من لذة المعصية لولا سكر الشهوة؟ ومن أعظم نعم الله على العبد: أن يرفع له بين العالمين ذكره ويعلى قدره ولهذا خص أنبياءه ورسله من ذلك بما ليس لغيرهم كما قال تعالى:

وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ

أي خصصناهم بخصيصة وهو الذكر الجميل الذي يذكرون به في هذه الدار وهو لسان الصدق الذي سأله إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال:

وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ

فصل 22

ومن عقوباتها: أنها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف وتكسوه أسماء الذم والصغار فتسلبه اسم المؤمن والبر والمحسن والمنقي والمطيع والمنيب والولي والورع والمصلح والعابد والخائف والأواب والطيب والرضي ونحوها وتكسوه اسم الفاجر والعاصي والمخالف والمسيء والمفسد والخبيث والمسخوط والزاني والسارق والقاتل والكاذب والخائن واللوطي والغادر وقاطع الرحم وأمثالها فهذه أسماء الفسوق، والله تعالى يقول:

بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ

الذي يوجب غضب الديان ودخول النيران وعيش الخزي والهوان وتلك أسماء توجب رضاء الرحمان ودخول الجنان وتوجب شرف المسمى بها على سائر أنواع الإنسان فلو لم يكن في عقوبة المعصية إلا استحقاق تلك الأسماء وموجباتها لكان في العقل ناه عنها ولو لم يكن في ثواب الطاعة إلا الفوز بتلك الأسماء وموجباتها لكان في العقل أمر بها ولكن لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع ولا مقرب لمن باعد ولا مبعد لمن قرب

وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ

.

فصل 23

ومن عقوباتها: أنها تؤثر بالخاصة في نقصان العقل فلا تجد عاقلين أحدهما مطيع لله والآخر عاص إلا وعقل المطيع منهما أوفر وأكمل وفكره أصح ورأيه أسد.

وكيف يكون عاقلا وافر العقل من يعصي من هو في قبضته وفي داره وهو يعلم أنه يراه ويشاهده؟ فيعصيه وهو بعينه غير متوار عنه ويستعين بنعمه على مساخطه ويستدعي كل وقت غضبه عليه ولعنته له وإبعاده من قربه وطرده عن بابه وإعراضه عنه وخذلانه له والتخلية بينه وبين نفسه وعدوه وسقوطه من عينه وحرمانه روح رضاه وحيب وقرة العين بقربه والفوز بجواره والنظر إلى وجهه في زمرة أوليائه إلى أضعاف أضعاف ذلك من كرامة أهل الطاعة وأضعاف أضعاف ذلك من عقوبة أهل المعصية فأي عقل لمن آثر لذة ساعة أو يوم أو دهر ثم تنقضي كأنها حلم لم يكن على هذا النعيم المقيم والفوز العظيم؟ بل هو سعادة الدنيا والآخرة ولولا العقل الذي تقوم عليه به الحجة لكان بمنزلة المجانين بل قد تكون المجانين أحسن حالا منه وأسلم عاقبة فهذا من هذا الوجه وأما تأثيرها في نقصان العقل المعيش فلولا الاشتراك في هذا النقصان لظهر لمطيعنا نقصان عقل عاصينا ولكن الجائحة عامة والجنون فنون ويا عجبا لو صحت العقول لعلمت أن طريق تحصيل اللذة والفرحة والسرور وطيب العيش إنما هو في رضاء من النعيم كله في رضاه والألم والعذاب كله في سخطه وغضبه ففي رضاه قرة العيون وسرور النفوس وحياة القلوب ولذة العيش وطيب الحياة.