فصل: سؤال مشهور (شبهة القدر)

وهاهنا سؤال مشهور، وهو: أن المدعو به إن كان قد قُدِّر، لم يكن بد من وقوعه، دعا به العبد أو لم يدع. وإن لم يكن قد قُدِّر لم يقع، سواء سأله العبد أو لم يسأله.

💎 فظنت طائفة صحة هذا السؤال فتركت الدعاء وقالت: لا فائدة فيه. وهؤلاء مع فرط جهلهم وضلالهم متناقضون.

فإن طرد مذهبهم يوجب تعطيل جميع الأسباب. فيقال لأحدهم: إن كان الشبع والري قد قدرا لك، فلا بد من وقوعهما أكلت أو لم تأكل؟ وإن لم يقدرا لم يقعا أكلت أو لم تأكل؟ وإن كان الولد قد قدر لك، فلابد منه، وطأت الزوجة أو الأمة أو لم تطأ؟ وإن لم يقدر ذلك لم يكن فلا حاجة إلى التزويج والتسري وهلم جرا.

فهل يقال هذا عاقل أو آدمي؟ بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته، فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا.

وتكايس بعضهم وقال: الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض، يثيب الله عليه الداعي من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما. ولا فرق عند هذا المتكيس بين الدعاء والإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب، وارتباط الدعاء عندهم به كارتباط السكوت ولا فرق.

وقالت طائفة أخرى أكيس من هؤلاء: بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله سبحانه وتعالى أمارة على قضاء الحاجة، فمتى وفق العبد للدعاء كان ذلك علامة له وأمارة على أن حاجته قد انقضت. وهذا كما إذا رأيت غيما أسود باردا في زمن الشتاء، فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر.

وخالفوا بذلك الحس والعقل والشرع والفطرة وسائر طوائف العقلاء، بل أضحكوا عليهم العقلاء.

القسم الثالث: الجواب الشافي

والصواب: أن هاهنا قسما ثالثا غير ما ذكره السائل، وهو: أن هذا المقدور قدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء. فلم يقدر مجردا عن سببه، ولكن قدر سببه. فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور.

وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه. وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال ودخول النار بالأعمال. وهذا القسم هو الحق وهذا الذي حرمه السائل ولم يوفق له.

إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ

القمر: 49

وحينئذ فالدعاء من أقوى الأسباب، فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء. كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال. وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب.

تطبيق الصحابة وفقههم للأقدار

ولما كان الصحابة رضي الله عنهم أعلم الأمة بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأفقههم في دينه، كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستنصر به على عدوه، وكان أعظم جنديه، وكان يقول للصحابة: "لستم تنصرون بكثرة، وإنما تنصرون من السماء". وكان يقول: "فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الإجابة".

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ

البقرة: 186

الأسباب والجزاء

وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على أن التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر.

وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة وحصول الشرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال، ترتب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب. وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع.

💎 ومن تفقه في هذه المسألة وتأملها حق التأمل انتفع بها غاية النفع، ولم يتكل على القدر جهلا منه وعجزا وتفريطا وإضاعة، فيكون توكله عجزا وعجزه توكلا.

بل الفقيه كل الفقيه الذي يرد القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض القدر بالقدر. بل لا يمكن الإنسان أن يعيش إلا بذلك، فإن الجوع والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر، والخلق كلهم ساعون في دفع هذا القدر بالقدر.

وهكذا من وفقه الله وألهمه رشده يدفع قدر العقوبة الأخروية بقدر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة. فهذا وزان القدر المخوف في الدنيا وما يضاده، فرب الدارين واحد، وحكمته واحدة، لا يناقض بعضها بعضا ولا يبطل بعضها بعضا. فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها ورعاها حق رعايتها، والله المستعان.